أما الباطن فمبعثه العقيدة التي تهدف لامور من وراء هذه الكذبة، فكم سمعنا عن سرقات وكم قيل لنا او قرأنا عن آثار سيئة تركها هذا التقليد سلوكياً واجتماعياً وخلقياً, وما ذلك إلا ان كذبة ابريل، عادة قد نشأت في بلاد الغرب من منطلق يرتبط تاريخياً بهذا الشهر، الذي هو من أشهر الرومان، وهو واحد من اشهر الربيع الذي تتفتح فيه الازهار، وتتزاوج الطيور، وتستيقظ الحشرات وبعض الحيوانات فيه من بياتها الشتوي الطويل، لتسعى في طلب الرزق، ثم التخزين لبيات آخر ومثل ذلك الانسان في سعيه,
إن من يتتبع الكتب التي تهتم بالعقيدة، وما طرأ على الديانات من دخائل، ومن يقرأ عادات بعض الشعوب التي رصدها المؤرخون، فإنه سيرى الغربيين خاصة، من كتاب ومؤرخين، يتحاملون على رجال الكنيسة، وما يفرضونه على المجتمع عندهم من أمور، فضلا عن تشكيك بعضهم في صحة الديانة النصرانية لمخالفتها ما يمليه العقل، وما تتطلبه الحياة الحاضرة، المقترنة بماديات العلم، ونتائج المختبرات والبحوث، ولذا كثر نقادهم للكتاب المقدس، وصحة وصدق روايته، يقابل ذلك جهود قوية لإثبات الاسس التاريخية للديانة النصرانية,
وصراعهم يتسم بالكذب كل من جانبه، ليؤصل ما يقصد اليه يقول بول ديورانت، عن هيرود الاكبر: كانت اخلاقه مثالا من اخلاق عصره، الذي انجب كثيرا من الرجال الذين كانوا أذكياء لا خلاق لهم، قادرين لا ضمير لهم، متحدثين لا صدق عندهم، شجعانا مجردين من الشرف، فلقد كانوا صورة مصغرة من اغسطس في بلاد اليهود ]قصة الحضارة 11:164[,
كما كانت اسس الصراع بين اليهودية والنصرانية، ورجال الدين فيهما تنطلق من قاعدة راسخة في الكذب، ولذا حرّكت الحرب الأهلية في فرنسا هذه الجذور، فصارت ثورة أوروبية ضد هيمنة رجال الكنيسة وسلطتهم، وملاحقة رجال محاكم التفتيش ونفوذهم، وقد توسع ديورانت في قصة الحضارة في الأجزاء المخصصة لعصر الإيمان، عندما تناول الصراع بين اليهود والنصارى، وقيصر المسيح، حيث أبان كما أبان غيره من الدارسين: ان كبار رجال الكنيسة عرف عنهم تعمدالكذب على الناس، وأن واحداً من أكابر القائمين على احدى الكنائس، أراد أن يبرر لأكاذيبه، لما كثرت واكتشفت: بأننا في فصل الربيع وهو الفصل الذي تبتهج فيه الحيوانات والطيور، بالطريقة الخاصة بها، وسائر المخلوقات أيضاً لها أساليبها الخاصة، في التعبير عن فرحها ومرحها، ونحن البشر الذين يمرّ بنا فصل بين فصلين بين الشتاء وثلوجه وبرده، وما يتركه لدى الناس من كآبة، وبين الصيف الذي يلفح الناس بحرّه، فعلينا أن نعبّر عن أنفسنا بهذا الأسلوب الذي يعتبر من الكذب الأبيض,
فكان مثل هذا التعليل قاعدة استحسنها بعض الناس، الذين يكذبون لمآرب، ويستمرئون الكذب لمصالح، ولست أدري من أين جاءهم التقسيم عن الكذب: الأبيض والأسود، اذ الكذب واحد وهو نقل الشيء على غير صورته ونحن المسلمين ندين الله بما جاء في مصدري التشريع في الاسلام على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم، من مقت للكذب، وأن الله لا يحب الكاذبين، وأن الكذب من علامات النفاق، حيث أبانت شريعة الله ذلك للمسلمين، كما جاء في القرآن الكريم، عن سوء عاقبة المنافقين، وأنهم في الدرك الأسفل من النار، ولا نصير لهم لأنهم يكذبون ويفترون على الله الكذب ويخادعون وما يخدعون إلا أنفسهم وما يشعرون,
فالكذب من علامات النفاق البارزة، التي تدل عليه، ولذا فإن مفهوم الكذب الذي يترتب عليه التّعدي على الأموال والأعراض وإيقاع المظالم على الآخرين والاستهانة بهم وترويعهم مما يمقته الإسلام وينهى عن التحلّي به، وهو واحد فلا فرق فيه بين كذب أبيض ولا أسود، ولا أخضر ولا أحمر ولا غيرها من الألوان، حيث نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الكذب على الصبيان، ونهى عن الكذب على الحيوان، هذا فضلاً عن الانسان,
وتبرير كذبة ابريل ما هو إلا موسم يريدون منه تنشيط هذه العادة، وترسيخها لدى الناس وحماية ما يصدر عنهم من أغاليط، وافتراءات، ولتعويد الآخرين هذا المنهج الذي أنكره مفكروهم، ولذا سميت صفة التعامل الحسن والصدق في القول: بالأخلاق التجارية، ونبل الأخلاق وقوة التحمل بالأخلاق التجارية,, وعندما نرجع الى ما ذكره ديورانت في موسوعته قصة الحضارة عن رجال الكنيسة وشهرتهم بالكذب، وهو شاهد من ملتهم عليهم، وبقية الملل من يهودية وهندوسية وغيرهما، ممن يستمرىء الكذب، حيث إن المندسّين في صفوف المسلمين، شهروا بالكذب على الله وعلى رسوله، وعلى علماء المسلمين حيث فسروا آيات من كتاب الله على غير وضعها، كما غيّر أهل الكتاب الكلم عن مواضعه من قبل وكما كذبت الأحاديث الكثيرة على رسول الله صلى الله عليه وسلم رغم الوعيد الشديد الذي جاء من رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك: من كذب علي متعمداً، فليتبوأ مقعده من النار وأخطأ ولو أصاب ,
وهذا يرجعنا للجذور عن تلك الأمم، الذي تأصل الكذب فيهم الذي جاءهم من المخالفة لأمر الله والجذور الوثنية, هذه الجذور سبقت الديانة النصرانية، إذ قد أخذوا ذلك عن العقيدة الزرداشتية، وعن المانوية، وإله الظلمة والنور، التي نشأت عنها عبادة النار، وعن تعدد الآلهة عند الرومان، حيث تجرى احتفالات دينية يتباكون فيها حزناً على موت بعض الآلهة حسب معتقدهم، لعدة ايام، ثم تضج أسواقهم بعد ذلك بأصوات الفرح، ببعث ما يؤلهون من قبره، وأن ما قيل عن موته ما هو إلا كذب ]قصة الحضارة 11:146[ وفي هذا المصدر في 18 صفحة نماذج أخرى عديدة,
وهذا مصدر من مصادر فكرة هذه الكذبة المتعارف عليها، حيث قال: إن هذه الكذبات تعمل في العيد الربيعي,
أما محمد عبدالله عنان المؤرخ الأندلسي الشهير، فإنه قد ذكر في كتابه: نهاية الأندلس، في الكتابين الثالث والرابع من مأساة الموريسكيين، أو العرب المتنصرين حيث اعتبر من مراحل الاضطهاد والتنصير الإجباري ديوان التحقيق النصرانيّ، ومتابعة المسلمين وذروة الاضطهاد التي أوجبت ثورة الموريسكيين، حيث كانوا يتخفّون بدينهم، أكثر من مائة عام، فكانوا ينتهجون في ملاحقة المسلمين أساليب عديدة تعتمد كلها على الكذب الذي هو منهجهم في تعاملهم مع بني جلدتهم، ومع المسلمين ومع كل ديانة تخالف الكاثوليكية، وما يجب أن تسير عليه، في تحويل الآخرين إلى معتقدهم، حتى مع النصارى أنفسهم,
ولو تتبعنا جزئيات كتب التاريخ: فإننا سنجد نماذج كثيرة، جزئية وكلية تُفصح عن أساسيات هذا المعتقد الذي انتهجوه، في كل بلاد لا ترتبط بالاسلام: عقيدة وشريعة إذ للكذب جذور بوثنيات تنافي الإسلام، بل إن الاسلام يحارب ذلك الأسلوب، الذي تنفر منه كل الكائنات الحيّة، لأنه ينافي الفطرة السليمة، حيث أورد الجاحظ، في كتابه الحيوان قصصاً ووقائع لكثير من الحيوانات والحشرات، بما أعطاها الله من فطرة سليمة، جعلها تكره الكذب وتجازي بأشد العقوبات التي تصل إلى التمزيق والعضّ حتى الموت، لمن يمتهن الكذب، ولم يتحرّ الصدق,إلا أن بعض البشر الذين انقادوا للشيطان وغواياته، قد انجذبوا الى كل أمر يغضب الله سبحانه ولذا كان القرآن الكريم وهو المصدر الأول للشريعة الإسلامية، وهو أمكن وأصدق من أي قول بشريّ، يؤكد لمن يتفهم معانيه، أن أهل الكتاب: وهم اليهود والنصارى كان من أعمالهم: تحريف الكلم عن مواضعه، والكذب على الله، وعلى أنبيائه,
وليس هذا على الناس فيما بينهم، حتى تلتمس لهم المعاذير، كما نرى من قولهم هذه كذبة ابريل، أو هذه كذبة بيضاء، أو لا نريد إلا المزاح وما إلى ذلك, فهذا يهون أمره، مع ما هو أكبر منه فقد كذبوا على الله جل وعلا، وكذبوا على رسل الله عليهم الصلاة والسلام، وغيروا في شرع الله الذي شرع لهم، يقول الله تبارك وتعالى عنهم: فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً، أو كذب بآياته ]الأعراف 37[ وعن كذبهم على رسل الله قال الله عنهم: أألقي الذكر عليه من بيننا، بل هو كذّاب أشر، سيعلمون غداً من الكذاب الأشر ]القمر الآيتان 25-26[ والآيات الكريمات، والأحاديث النبوية في هذا المعنى كثيرة,
فالقرآن الكريم مليء بما يفضح خفايا نفوسهم، ويبيّن ما نطقت به ألسنتهم، وما لقّنوه للمشركين ضد رسول الله صلى الله عليه وسلم، من عبارات التكذيب، مما ينبغي معه أن يحرص المسلم بأن يبتعد عن الكذب جداً أو هزلاً، لقصد أو لغير قصد، وأن ينتهج لنفسه درباً يخالف دربهم، لأنه يتحلّى بعقيدة تباين عقيدتهم، ولأن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمر بمخالفتهم في كل أمر أو فعل،وألا يصدر المسلم في أحواله إلا عما هو مختوم بخاتم الاسلام ومطبوع بطابع تعاليمه، التي جاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم، طاهرة نقيّة من عندالله سبحانه، يقول صلى الله عليه وسلم: كل أمر ليس عليه أمرنا فهو ردّ حديث صحيح، والمعنى أنه مردود على صاحبه,, وما ذلك إلا أن المسلم مأمور بعدم التساهل في الصغائر، لأنها تجر إلى الكبائر ومأمور بالابتعاد عن معتقدات وأعمال أعداء دينه، لأن منهج تعاليم دين الإسلام الذي رضيه الله لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، هو الأسلم لما فيه من كمال,, والتساهل يجر إلى محبة أولئك القوم، وموالاتهم، والمسلم مأمور أيضاً، بأن يعرض كل ما يعترضه على مصدري التشريع في الإسلام، وهو الدين الذي أمر أن يتعبد الله به وفق ما جاء في مصدريه: وهما كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، فما خالفهما يجب نبذه وما وافقهما يجب الأخذ به، كما يجب أن يأخذ بهدى رسول الله صلى الله عليه وسلم في التوجيه الكريم للأمة: ما رآه المؤمنون حسناً فهو حسن، وما رآه المؤمنون قبيحاً فهو قبيح، وقيل موقوف على ابن مسعود,
وهذا في الكذبة في أبريل التي لا شك في قبحها، وفي كل أمر وافد على المجتمع الاسلامي,
المخزومي والقضاء:
جاء في كتاب أخبار القضاة لمحمد بن خلف بن حيان: أن صقر صاحب النجايب قال: والله إني لعند محمد بن سليمان يكلمني في أمر النجايب، إذ دخل عليه محمد بن منصور، فقال: هذا عبدالرحمن المخزومي, قال: أدخله, فأدخله وجلس فقال له محمد: إنّي قد أردت أن أرفعك وأشرفك، فقد وليتك القضاء,قال: والله إني ما أحسنه, وما أصلح له, فقال محمد: هذا كلام قد تعلمتموه،ولا بد ان تقولوه، انهض فإني غير معفيك، فقال: إذن والله لأفتضحنّ, فقال محمد بن منصور: انظر منذراً على الباب, فقال: قد انصرف,فقال: لو كان حاضراً لأمرته أن يأخذ بيدك، فيقعدك في مقعدك, فقال: إني أسألك بحق أيوب إلا أعفيتني, فقال: والله لا أعفيتك, فقام وانصرف فأتى أباه وكان شيخاً سهلاً سمحاً، فيه أخلاق قريش، يجلس على بابه، فإذا حضر وقت غدائه دعا بخوانه، فإن كان عندهم لحم أكل، وإلا اجتزى بما حضر، فأكل ويأكل معه الرجل والرجلان، من جلسائه، فأتاه ابنه فقال: يا أبه أرانا والله قد افتضحنا, قال: وماذاك يا بنيّ، نعوذ بالله من الفضيحة, قال: قد عزم هذا على توليتي القضاء، ووالله لئن وليته لأفتضحنّ، قال: فهناك الله ما ولّاك، ركبت البغلة الشهباء، وتساندت إلى الاسطوانة ووضعت إحدى رجليك على الأخرى, وقلت: قال أبو حنيفة، وقال زفر، طلباً لهذا الأمر، وقد بلغته فهنّاك الله, قال: يا أبه أنا أعلم بنفسي، والله لئن وليت لأفتضحنّ, فقال: يا بني أعوذ بالله من الفضيحة، والله ما قلت لك ما قلت، إلا مازحاً,
فأما اذا كان هذا منك الجد، فسأبلغ جهدي إن شاء الله,قال صقر: فو الله إني لعند محمد بن منصور، وهو يلقى الباب بوجهه, إذ قال: هذا المخزوميّ، فدخل عليه, فقال: استأذن لي على الأمير, فقال: إن الأمير يريد الدخول، فقال: إن مؤنتي عليه لخفيفة، فتذمّم منه, وقام فاستأذن له, فأذن له, فقال: أصلح الله الأمير إن لنا ابناً أنت وليته، ولئن تممت على رأيك فيه ليفتضحنّ، فإن رأيت ألّا تهتك أستارنا فافعل، فقال: والله ما أردت إلا تشريفكم ورفعكم، فإذا كان هذا رأيك ورأي ابنك فقد أعفيته, قال عبدالواحد: فكر عليه فالتزمه فقبّله,, ثم أقام شيئاً يسيراً ]أخبار القضاة 2:140[,