الإمبريالية الإعلامية (1 - 2)،
آليات الهيمنة والتحيز وتشويه صورة الجنوب
د, محمد شومان *
في اطار التحولات السياسية والاقتصادية المتسارعة في العالم منذ اواخر الثمانينيات برزت هيمنة الدول الصناعية الكبرى والشركات متعددة الجنسية على الاقتصاد
والتجارة في العالم وكذلك على منتجات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، وعمليات انتاج وتوزيع المعلومات والاخبار والمضامين الاعلامية المختلفة التي تبثها
وسائل الاعلام الجماهيري,
وتنتشر الشركات متعددة الجنسية في اغلب دول العالم، بحثا عن الربح وعن العمالة الارخص، والاسواق، وتضع هذه الشركات خططاً ومشروعات خاصة بها لا تراعي خطط
التنمية الوطنية بل وتضغط على الحكومات من اجل تحقيق مصالحها، ويتجاوز حجم ميزانية كثير من هذه الشركات ميزانية دول متوسطة القوة كالبرازيل والهند,
وتنتمي معظم الشركات متعددة الجنسية الى الدول السبع الصناعية المتقدمة: (الولايات المتحدة - المانيا - كندا - فرنسا - اليابان - انجلترا- ايطاليا) فمن
بين اكبر 200 شركة متعددة الجنسية في العالم تنتمي 180 شركة الى الدول الصناعية السبع,
ويلاحظ زيادة دور الشركات الاحتكارية متعددة الجنسية في عملية الهيمنة على البيئة الاتصالية والاعلامية والمعلوماتية في العالم، حيث استفادت هذه الشركات
من ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات، واستطاعت ان تجني ارباحاً هائلة من تصنيع تطبيقات تكنولوجيا الاتصال والمعلومات وترويجها، وقد ادى توحيد الاسواق في
الى نمو النزعة الاحتكارية لدى الشركات متعددة الجنسية فتسارعت على نحو لم يسبق له مثيل في التاريخ؛ عمليات globalization العالم او ما يعرف بالعولمة
الاندماج بين هذه الشركات، وشراء الشركات الاصغر سواء كانت شركات متعددة الجنسية او شركات محلية صغيرة، ولتوضيح ذلك ربما تكفي الاشارة الى وجود 37 الف
شركة متعددة الجنسية في مطلع التسعينيات، تتبحها 170 ألف شركة فرعية تنتشر في مختلف أنحاء العالم، لكن خلال سنوات التسعينيات حدث تركز واندماجات كبرى ادت
الى تركيز السلطة الاقتصادية في يد 200 شركة فقط تسيطر حالياً على تجارة العالم حيث تتعامل في 78590 مليار دولار سنويا، وتحقق ارباحا سنويا مقدارها 251
مليار دولار!!،
ان هيمنة الدول الصناعية السبع والشركات متعددة الجنسية الاحتكارية على بيئة الاعلام يتمثل في كثير من المظاهر والتجليات، فعلى سبيل المثال تمتلك الولايات
المتحدة الامريكية وكالتين من وكالات الانباء الخمس الكبرى في العالم، وتعتبر اكبر مساهم مالي في تطوير واستخدام النظام الاتصالي الدولي، ويملك المواطنون
الامريكيون ربع خطوط الهاتف الموجودة في العالم وثلث اجهزة الراديو، واعلى نسبة في الكمبيوتر الشخصي، واكبر عدد من المحطات الفضائية الارضية، ولدى
الولايات المتحدة ايضا اكبر شبكة ممتدة من اقمار الاتصال، كما تنفق ملياراً سنويا على الانشطة الاعلامية الخارجية التي توجه الى شعوب اخرى,
وتكاد تحتكر الولايات المتحدة صناعة وتجارة أفلام السينما وبرامج التليفزيون في العالم، وقد حققت صناعة السينما ارباحاً عام 1995 خارج الولايات المتحدة
بلغت 2,5 مليار دولار، وكانت قد صدرت عام 1993 افلاماً سينمائية ومواد تلفزيونية الى اوروبا بقيمة 4 مليارات دولار، بينما لم تستورد من اوروبا الا ما
قيمته 336 مليون دولار فقط, لكن الدول الاوروبية واليابان تصدر برامج تليفزيونية الى دول الجنوب، حيث تحتل بريطانيا المركز الثاني - بفارق كبير - بعد
الولايات المتحدة، ثم فرنسا فالمانيا وايطاليا، وتقوم اليابان بتصدير برامج تليفزيونية الى اسيا، كذلك الهند ومصر,
وتسيطر 7 استديوهات امريكية على صناعة السينما العالمية، وفي نهاية الثمانينيات كانت هذه الاستديوهات تنتج حوالي 85% من الافلام المصورة التي توزع في
العالم، وفي عام 1992 سيطرت الافلام الامريكية على 95% من السوق البريطاني، وعلى ثلثي السوق الفرنسي,
وفي مجال انتاج وتوزيع الموسيقى تسيطر 6 شركات متعددة الجنسية منها واحدة امريكية والمانية وهولندية وبريطانية ويابانية, بينما تسيطر 10 وكالات شركات
متعددة الجنسية على الاعلان في العالم، وقد حققت هذه الشركات العشر عام 1990 ارباحا بلغت 12,2 مليار دولار,
واذا انتقلنا الى الصحافة الدولية والاذاعات الدولية فسنجد ان كل الصحف والمجلات الدولية وكذلك الاذاعات خاضعة لهيمنة مباشرة او غير مباشرة للدول الصناعية
المتقدمة والشركات متعددة الجنسية فلا تكاد توجد مجلة او صحيفة دولية تصدرها احدى دول الجنوب، من جانب آخر فان الاذاعات الدولية القوية والمؤثرة هي اذاعات
او صوت امريكا التي تحتل المركز الاول عالمياً من حيث ساعات الارسال وتغطية مختلف مناطق العالم,B.B.C تنطق باسم دول كبرى كالاذاعة البريطانية
ويتسع مجال عمل وهيمنة الشركات متعددة الجنسية الى كل مجالات البيئة الاعلامية، فبعض هذه الشركات التي اسسها افراد تعمل في الصحافة والاذاعة والتلفزيون
والمعلوماتية معا، وهناك امثلة كثيرة على ذلك لافراد مثل اغنى اغنياء العالم بيل جيتس، والملياردير الامريكي الجنسية الاسترالي الاصل روبرت مردوخ، وجان
وقد اسس هؤلاء امبراطوريات اعلامية كبرى من خلال امتلاك شركات عملاقة متعددة الجنسية جنت ارباحا هائلة، واعتمدت C N N لوك لاجارديرن وتيد تيرنر صاحب
سياسات شراء الشركات او الصحف ومحطات التلفزيون الاصغر ودمجها في اطار الامبراطورية العملاقة لكل منهم,
نموذجاً لآلية عمل الشركات متعددة الجنسية في مجال الاعلام والاتصال News corp. وربما تقدم سيرة حياة مردوخ وشركته الاحتكارية العملاقة نيوز كورب
والمعلومات، وكيف انها تغطي وتدمج في انشطتها مجالات عديدة, فشركة نيوز كورب التي اسسها مردوخ تتخذ من استراليا قاعدة لها، بينما حصل مردوخ على الجنسية
الامريكية عام 1985، وتتوزع فروع وانشطة الشركة في اليابان واسيا وبريطانيا واوروبا وامريكا اللاتينية,
ويقدر الخبراء ان مؤسسات الشركة ستتمكن من مخاطبة 75% من سكان العالم عبر الصحف والمجلات والبث الاذاعي والتلفزيوني الفضائي، ومن خلال امتلاك اسهم في
شبكات تلفزيون تغطي كافة انحاء المعمورة,
لكن كيف نجح مردوخ في تكوين هذه الامبراطورية العملاقة؟
ان مردوخ اليهودي الاسترالي الاصل ورث عن والده سلسلة من الصحف الاقليمية الاسترالية، ثم اسس اول صحيفة قومية استرالية، وتمكن خلال الخمسينيات والستينيات
من امتلاك مصالح كبيرة ومتنوعة في التلفزيون الاسترالي، وفي الخطوط الجوية والتعدين واستصلاح الاراضي، وفي اواخر الستينيات بدأ يشتري صحفاً بريطانية، وحقق
نجاحات كبيرة شجعته على الدخول في سوق الصحافة الامريكية بداية من عام 1973، ثم دخل مردوخ بعد ذلك مجال التلفزيون والكمبيوتر، ويمتلك مردوخ حاليا حوالي
مائة صحيفة في استراليا علاوة على العديد من محطات الاذاعة والتلفزيون كما يمتلك مردوح مطبوعات هاربر كولينز والتي بلغت ارباحها 550 مليون دولار عام 1995،
كما يمتلك العديد من الصحف والمجلات الامريكية وشركة انتاج فوكس القرن العشرين والتي تعتبر واحدة من اكبر سبع شركات للانتاج السينمائي في العالم,
ومجموعة تايم C.N.N وقناة المعلومات المستمرة وقناة فوكس الاخبارية التي تنافس F.X. ويمتلك مردوخ ايضا محطات التلفزيون فوكس نيتوورك، وقناة الكابل الشعبية
علاوة على شركات للتسويق والترويج ويخطط مردوخ لاستثمار مليار دولار في مجال الهاتف كما ينوي بالتعاون مع شركات اخرى اطلاق 200 قناة M.S.N.B.S وورنر وقناة
تلفزيونية,
ان نموذج مردوخ مجرد حالة واحدة على احدى شركات انتاج وتوزيع المضامين الاعلامية، وهناك حالات اخرى كثيرة لا يتسع المجال لذكرها لكن ما نود التركيز عليه
هنا ان هيمنة الدول الصناعية المتقدمة والشركات متعددة الجنسية على بيئة الاتصال والاعلام والمعلومات تجعلها توظف وتستخدم النظام الاتصالي والاعلامي
الدولي لصالحها,
وأدت هذه الهيمنة الى اختلال في التوازن في النظام الاتصالي والاعلامي العالمي، حيث تتركز صناعات الاتصال والاعلام وانتاج المواد والمضامين الاعلامية في
دول الشمال، وتتدفق الاخبار والمعلومات والصور والرموز وكافة المضامين الاعلامية من دول الشمال الى دول الجنوب، وبالتالي تتحكم دول الشمال والشركات متعددة
الجنسية في تقرير ماهية الاخبار العالمية واهميتها، وتركز على الاخبار والمعلومات والمضامين التي تخدم مصالحها وتدعم قوتها وتنشر وتروج لثقافاتها بغض
النظر عن مصالح دول الجنوب وثقافاته الوطنية,
لكن ما هي ابرز نتائج هيمنة الدول الصناعية والشركات متعددة الجنسية على النظام الاعلامي الدولي؟
،*****************
،*استاذ الاعلام بجامعة عين شمس مدير مكتب الجزيرة بالقاهرة


[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved