استراتيجيات مواجهة الإمبريالية الإعلامية
د, محمد شومان*
لا يمكن لدول وشعوب الجنوب، أو لأنصار المساواة وحقوق الانسان في الغرب السكوت على سلبيات عدم التوازن في النظام الاتصالي الدولي او ما يعرف بالامبريالية
الاعلامية لان من شأنها في ظل ثورة تكنولوجيا الاتصال والمعلومات تعميق الخلافات والانقسامات الثقافية وسوءالفهم بين الشعوب، وهو ما قد يهدد الامن والسلام
وسلامة البيئة في العالم، من هنا نقترح العمل لتغيير الاوضاع القائمة في بيئة الاتصال والنظام الاتصالي من خلال استراتيجيتين متكاملتين، أي يمكن لدول
الجنوب الاخذ بهما في آن واحد، فلا يوجد بينهما تناقض بل على العكس ثمة تعاون وتكامل، الاولى استراتيجية قيام نظام اعلامي دولي جديد، والثانية استراتيجية
التعاون الاقليمي بين دول الجنوب,
،1- استراتيجية قيام نظام إعلامي دولي جديد:
جسدت قرارات الجمعية العامة للامم المتحدة خلال عامي 1946 - 1948 المبادئ والافكار الاساسية الخاصة بحرية الاعلام ومسؤولياته ومبدأ التدفق الحر للمعلومات،
واعتبرت الامم المتحدة في مؤتمر عام 1948 ان حرية المعلومات من الحريات الاساسية، ومن هذا المنطلق وضعت اليونسكو عند تأسيسها عام1946 اتفاقيات للتدفق
الحر في جميع انحاء العالم، لكن مع تحرر كثير من دول الجنوب وحصولها على الاستقلال من جهة، وتطور وسائل الاتصال الدولية وزيادة قوتها من جهة ثانية طرحت في
الخمسينيات والستينيات العديد من الانتقادات لمبدأ التدفق الحر للمعلومات، وبدأت دول الجنوب تعاني من آثار عدم التوازن في النظام الاتصالي الدولي، وتدفق
الاخبار والمعلومات في اتجاه واحد, لذلك شرعت دول الجنوب في مطلع السبعينيات في تنسيق مواقفها في الامم المتحدة واليونسكو وبدأت تطالب بتحقيق توازن في
النظام الاتصالي الدولي، ثم نجحت في إصدار توصية عن مؤتمر اليونسكو في باريس عام 1978 تنص على إقامة نظام اعلامي جديد اكثر عدلا لكل الاطراف المشاركة فيه،
وأن يقترن مبدأ حرية تدفق المعلومات، بالتوازن في تدفق المعلومات، اي الجمع والمواءمة بين الحرية والتوازن,
والملاحظ ان الدعوة لقيام نظام اعلامي دولي جديد قد ارتبطت بدعوة دول الجنوب بتأييد من الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية آنذاك لقيام نظام اقتصادي عالمي
جديد، حيث صدر قرار للجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1974 بإقامة نظام جديد في العلاقات الاقتصادية بين دول الشمال والجنوب، يتيح لدول الجنوب الحصول على
اسعار مناسبة للمواد الخام التي تصدرها لدول الشمال، ولاشك ان ارتباط الدعوة لقيام نظامين جديدين اقتصادي وإعلامي قد عبر عن وعي بأهمية العلاقة بين
النظامين، وقوة التأثيرات المتبادلة بينهما، لكن الدول الصناعية الكبرى والشركات متعددة الجنسية رفضت بقوة تغيير الاوضاع الدولية القائمة في الاقتصاد
والاعلام,
ومع الثمانينيات وفي ظل ثورة التكنولوجيا والتحولات في النظام الدولي تراجعت الدعوة لتغيير النظام الاقتصادي العالمي، وكذلك النظام الاعلامي العالمي، إلى
ان اختفت تماما، خصوصا بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والكتلة الشرقية وظهور تجليات وآثار النظام الدولي الجديد والهيمنة الامريكية على العالم,,ان فشل
الدعوة لقيام نظام اعلام دولي جديد لا يعني عدم مشروعيتها او انها دعوة باطلة، فهي ضرورة يجب التمسك بها، وتجديدها في ضوء التحولات الدولية، وما يحدث من
تطورات في بيئة الاتصال والنظام الاعلامي والاتصالي الدولي,
ان المطلوب هو تجديد الفكر الذي تعتمد عليه الدعوة لقيام نظام اعلامي دولي جديد، والبحث عن شروط جديدة تضمن نجاح هذه الدعوة، وقد يكون اول هذه الشروط
التوجه إلى الرأي العام الغربي، أي إلى الشعوب لا الحكومات، ومحاولة كسب تأييد المنظمات والجمعيات غير الحكومية المستقلة للدعوة لقيام نظام اعلامي جديد
يحقق التوازن والمساواة بين الشعوب، ويضمن حرية تدفق الاعلام والمعلومات وفي الوقت نفسه يحقق التعددية الثقافية واحترام الثقافات غير الغربية,
،2- استراتيجية التعاون الاقليمي:
تنطلق هذه الاستراتيجية من ضرورة قيام تعاون بين دول الجنوب على اسس اقليمية، بمعنى ان دول الجنوب التي تنتمي إلى اقليم جغرافي واحد او تربطها علاقات
ثقافية او تاريخية واحدة يجب ان تنسق مواقفها وتتعاون اعلاميا واتصاليا لمواجهة مخاطر التهميش، وعدم التوازن في النظام الاعلامي الدولي، والفكرة الاساسية
التي تستند إليها هذه الاستراتيجية ان كل دولة من دول الجنوب لا تستطيع بامكاناتها فقط ان تواجه هيمنة وسائل الاعلام الدولية التابعة للدول الكبرى،
والشركات متعددة الجنسية، كما ان اي دولة من دول الجنوب لا تتوافر لها الاستثمارات الكافية والخبرات البشرية والاسواق لإنتج تكنولوجيا الاتصال وانتاج مواد
ومضامين إعلامية وترفيهية، من هنا تأتي ضرورة قيام تجمعات اقليمية تتعاون فيما بينها في المجالات الاعلامية والاتصالات، وعلى سبيل المثال يمكن للدول
العربية بحكم ارتباطها بأقليم واحد وثقافة واحدة وتاريخ مشترك ان تدعم وتطور اشكال التعاون الاعلامي والاتصال الموجودة حاليا، ويساعد في ذلك وجود الجامعة
العربية، ووجود مؤسسات وهياكل للتعاون العربي المشترك في مجال الاعلام كاتحاد إذاعات الدول العربية, بالاضافة إلى وجود شركات عربية للانتاج
التليفزيوني,أيضا يمكن لمجموعة دول الكاريبي، ومجموعة دول وسط آسيا وتركيا، ومجموعة الآسيان في جنوب شرق آسيا ان تقيم هياكل في كافة مجالات التعاون
الاعلامي والاتصالي، وان تدعم وتطور من اشكال التعاون القائمة,وقد كان هناك من الناحية التاريخية بعض تجارب التعاون الاقليمي بين دول الجنوب، بدأت في
في منطقة الكاريبي، والدعوة لانشاء مجمع وكالات انباء دول عدم CANA الستينيات وتمثلت في تأسيس وكالات انباء اقليمية مشتركة مثل وكالة الانباءالكاريبية
الانحياز، لكن هذه التجارب لم تحقق الاهداف المنشودة، لاسباب كثيرة اهمها تدخل الحكومات وخضوع مشروعات التعاون الاعلامي الاقليمي لتقلبات العلاقات
السياسية بين الدول، علاوة على ضعف الامكانات ونقص الكوادر البشرية، لذا فإن الدعوة لتبني استراتيجية التعاون الاقليمي الآن، تستلزم تقييم التجارب السابقة
والاستفادة من دروسها، والاعتماد على منهج جديد في تأسيس مشروعات التعاون الاعلامي الاقليمي، منهج يعتمد على ايجاد مشروعات للتعاون الاعلامي لا تكون تابعة
للدولة حتى لا تقع في مشكلات الخلافات بين الدول او تكبل بقيود البيروقراطية الحكومية، في هذا الاطار يمكن الدعوة لتأسيس مشروعات اعلامية مستقلة يشارك
فيها القطاع الخاص والاعلاميون انفسهم, ان افكار التعاون الاقليمي كثيرة ومتنوعة، ومن المفيد ان تطرح بشكل يحفظ الهوية الثقافية لكل اقليم جغرافي او
مجموعة دول تنتمي لثقافة واحدة، ومن المفيد ايضا ان يجري التفكير فيها كمشروعات من الممكن، وربما من الافضل، ان تحقق ارباحا مادية إذ لا يوجد تعارض في
كثير من الاحيان بين تقديم خدمات اعلامية وترفيهية جيدة وبين تحقيق ارباح,
،* أستاذ الاعلام بجامعة عين شمس,


[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved