مكانة الدعاء
د محمد بن سعد الشويعر
للدعاء في عقيدة الإسلام مكانة كبيرة، فهو مخّ العبادة، وقيل هو - أي الدعاء - العبادة ذلك أن الدعاء رابطة بين العبد وخالقه، فهو يطلب منه أموراً كثيرة، والله سبحانه هو أجود الأجودين واكرم الكرماء، وقد أمر عباده بدعائه، والإكثار من ذلك، ووعد على الدعاء الإجابة، كما قال سبحانه في سورة غافر: ·وقال ربكم ادعوني أستجب لكم ثم أخبر سبحانه أن المستنكفين عن دعائه خاسرون في الدنيا والآخرة في قوله الكريم: ·إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين وأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم أمته بأهمية الدعاء، لأنه يدفع البلاء، وحّثهم على ذلك والإكثار منه، فقال: ·إن الله حيي ستّير، يستحي من عبده إذا رفع يديه بالدعاء أن يردهما صفراً
ولذا كانت الصلاة التي هي الركن الثاني من أركان الإسلام وتركها يباعد الإنسان عن حظيرة الإسلام، لأنها الحد الفاصل بين الإسلام والكفر، كما قال صلى الله عليه وسلم: ·بين الرجل وبين الشرك والكفر ترك الصلاة، فمن تركها فقد كفر
هذه العبادة العظيمة، اسمها التعريفيّ في اللغة: الدعاء، وفي الشرع أقوال وأفعال، مفتتحة بالتكبير ومختتمة بالتسليم، فهذه العبادة ليست حركات رياضية، أو تصرفات لايعقلها الإنسان، أو طقوساً لا مفهوم وراءها، كما هي عند بعض الدّيانات الفاسدة في بعض البشر على وجه الأرض ولكنها علاقة مع الله بالدعاء وحضور القلب في كل ركن من أركانها، فدعاء الاستفتاح، هو أول أعمالها بعد تكبيرة الإحرام، والفاتحة مناجاة بين العبد وربه، ودعاء بالثبات على دين الله الحق، الصراط المستقيم، وان يجنّب الله المصلِّي طريق أهل الغواية، المجانبين للصواب: طريق المغضوب عليهم، وهم من لديهم علم ولكنهم يعاندون أمر الله، ويعصونه عن معرفة ومكابرة، فبكذبهم وعنادهم استحقوا غضب الله عليهم، لأنهم يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولكنهم عصوا الله على بصيرة، وعن علم جحدوه
كما يسأل المصلّي ربه - الذي وعده سبحانه بإجابة مسألته، إذا هو أحضر قلبه، وصدق مع خالقه في مقصده: دعاء ونيّة - بأن يجنبه طريق أهل الضلال، الذين يعبدون الله على جهل، وأفسدوا مانزل عليهم من عند الله، على ألسنة أنبيائهم بالجهل وعمى البصيرة، فاستحقوا الوصف بالضلال في عملهم ذلك وهكذا نجد الصلاة كلّها علاقة مع الله بين العبد وخالقه، ومناجاة ودعاء، وتمجيد له سبحانه بما هو أهله ولذا فإنه ورد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ·أما الركوع فعظموا فيه الربّ، وأما السجود فأكثروا فيه من الدعاء فقمن ان يستجاب لكم ذلك ان الساجد قد أخضع اشرف ماخلق الله فيه، وهو الوجه بحواسه لله، بالامتثال له سبحانه، وتمريغه في التراب ذلاً أمام الله وخشوعاً واستحضاراً لعظمته جل وعلا فكان قريباً من خالقه في هذه الهيئة، حيث جاء التأكيد بذلك، بهذا القول الكريم: ·اقرب مايكون العبد من ربه وهو ساجد وهكذا بقية أعمال الصلاة
فاقترنت كثير من العبادات بالشكر لله: سجوداً وخضوعاً لعظمته فصلاة الاستخارة ومافيها من دعاء وتمجيد لله، فيها السجود وإرغام الشيطان إذا لبّس على الإنسان صلاته فسها فتكمل الصلاة بالسجود للسهو، والشكر لله على دفع البلاء، أماعند حلول نعمة أو غير ذلك، فإن المسلم يعبر عن ذلك بالسجود، شكراً لله جل وعلا وعرفاناً له بالفضل، على نعمائه، أو دفع مصيبة كادت تحلّ بالعبد وما السجود إلا تمجيد لله ودعاء
وصلاة الاستخارة، عندما يهمّ المرء بأمرلايدري ماعواقبه فإنه يجد الراحة في الصلاة والسجود خضوعاً أمام الله ودعائه بأن يلهمه الصواب للطريق الأقوم، في أمر دينه ودنياه وهذا من الأمور التي يحثّ عليها الإسلام، وعلمها رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته
ولذا قيل: إن البلاء والدعاء يتصارعان، فالبلاء يحيط بالمرء من جوانب، والدعاء جعله الله حصناً يقي النفس البشرية من ويلات هذا البلاء، فيدفعه الله عن المسلم ببركة الدعاء، فضلاً من الله سبحانه على عباده وحماية لهم في هذه الحياة الدنيا من المصائب، مما يستوجب الشكر بالثناء على الله، ودعائه بأن يوفق العبد لما يرضي الله: قولاً وعملاً وهذه الأمور روحانية تطمئن بها القلوب، وتفوق وصفات علماء النفس وعلاجهم وما ذلك إلا أن الإنسان يجب ان تسوقه عقيدته الإسلامية، إلى مداومة الارتباط بخالقه بالدعاء، حتى يجد الفرج من ربه بالدعاء، عندما تشتدّ الأمور عليه، وتضطرب المحن التي حلّت به، حتى يكشف الله عنه ما ألمّ به، كما قال سبحانه: ·أمّن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء )62 سورةالنمل(، قال بعض العلماء في هذه الآية: ·المضطر هو الذي أحوجه مرض أو نازلة من نوازل الدهر، فالتجأه ذلك إلى الدعاء والتضرع إلى الله لأنه علم أنه لايكشف ضره إلا هو، ويقول ابن كثير في تفسيره: ينبه جل وعلا، أنه المدعوّ عند الشدائد، وعند النوازل، كما قال سبحانه: ·وإذا مسّكم الضر في البحر ضلّ من تدعون الا إياه وغير ذلك من آيات في هذا المعنى كثيرة، فهوسبحانه الذي لايُلجأ إلا إليه، ولا يكشف الضرّ لدى المضطّرين سواه )3:340(
وقد تكلم العلماء عن الدعاء ومكانته كثيراً، وأبانوا منزلته في العبادة، وأن الله جلّ وعلا يجيب دعوة المشركين إذا لجأوا إليه عند الشدائد، لأنهم يعرفون أنه لا يجيب الدعاء غيره، لحكمة يريدها سبحانه، وحتى تقوم عليهم الحجة، إن لم يرجعوا عن غوايتهم، ويتوبوا إلى خالقهم قبل مماتهم
وقد تحدّث ابن القيم رحمه الله عن مكانة الدعاء وأثره في دفع البلاء، فقال: الدعاء من اقوى الأسباب في دفع المكروه وحصول المطلوب، ولكن قد يتخلّف عنه أثره، إما لضعفه في نفسه، بأن يكون دعاء لا يحبه الله، لما فيه من العدوان، وإما لضعف القلب، وعدم إقباله جميعه على الله، وقت الدعاء، فيكون بمنزله الضعيف - فإن الهم يخرج منه ضعيفاً - وإما لحصول المانع من الإجابة من أكل الحرام ورَينِ الذنوب على القلب، واستيلاء الغفلة والسهو واللهو، تغلبت عليه، والدعاء من أنفع الأدوية، وهو عدوّ البلاء، يدافعه ويعالجه، ويمنع نزوله، ويرفعه أو يخففه، فله مع البلاء ثلاثة مقامات:
أحدها: أن يكون اقوى من البلاء فيدفعه الثاني: ان يكون أضعف من البلاء فيقوى عليه البلاء فيصاب به العبد، ولكن قد يخففه ، الثالث: ان يتقاوما ويمنع كل واحد منهما صاحبه، أه كلامه ولما جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطلب منه أن يدعو الله له بأن يكون مستجاب الدعوة، قال له عليه الصلاة والسلام: ·أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة
ومظنّة اجابة الدعاء أمور كثيرة منها: حضور القلب، فالله لا يجيب الدعاء من القلب الغافل وان يدعو المسلم ربه وهو صادق، ومتيقن بالإجابة، لأن الله عند حسن الظن به، وهو سبحانه كريم العطاء، مجيب الدعاء يقول جل وعلا: ·وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوةالداعي إذا دعان فليؤمنوا بي وليستجيبوا لي لعلهم يرشدون )186 سورة البقرة(، فهو سبحانه يأمر عباده ان يكونوا مؤمنين به، مستجيبين لأوامره، صادقين في اتجاهم إليه، لأنه قريب منه يسمع دعاءهم، ويعلم سرّهم ونجواهم، فعليهم ان يدعوه ويتجهوا إليه باليقين والصدق، وان يتقربوا إليه مع الدعاء بالعمل الصالح الذي يحببهم إلى خالقهم، من منطلق أنهم أخطأوا وأذنبوا، عرفوا أن لهم رباً يجيب الدعاء، فلجأوا إليه، كما جاء في الحديث القدسي، ان الله يشهد ملائكته بأنه قد غفر لهم، وهذا من كرمه وجوده جلّ وعلا على عباده، ومن الدعاء المستجاب دعاء الوالد لولده، أو على ولده لأنه في الغالب لايخرج إلا من قلب صادق وبحضور الحواس
وقد نهى رسول الله من قال: اللهم اغفر لي إن شئت، وقال: إن الله لايكره على شيء،وأمر بالجزم بالدعاء وعدم التعليق، فإن مشيئة الله نافذه، ووعده لعباده إذا أدوا حقّه على انفسهم له، متمم، وان على المسلم ان يتحرى أوقات الإجابة، ويتحين فرص الدعاء: كدعاء المضطر، وأثناء السجود، ودبر كل صلاة، وساعة الجمعة، التي قيل فيها بأنها مع دخول الخطيب، وقيل إنها آخر ساعة من يوم الجمعة، وقيل غير ذلك يقول سبحانه: ·وقال ربكم ادعوني استجب لكم )60 غافر(، وفي هذا أمر ووعد
ومن الأدعية التي هي حرية بالإجابة، دعاء المسافر، كما جاء في حديث الأشعث الأغبر الذي يرفع يديه إلى السماء داعياً ربه: ياربّ ياربّ وبيّن صلى الله عليه وسلم ان من الموانع لإجابة دعاء هذا الأشعث الأغبر، أكله الحرام، وعدم تنقية دخله من الشبهات، فقال صلى الله عليه وسلم في ذلك الحديث في استفهام إنكاري: فأنى يستجاب له؟ ثم بيّن العلة في منع الإجابة، والحاجز بين هذا الدعاء والوصول إلى منزلة القبول من الله بقوله الكريم عليه الصلاة والسلام بعد الاستفهام: وملبسه حرام ومشربه حرام وغذي بالحرام وهذا الحديث يسير مع الآخر الذي مرّ بنا، في خطين متوازيين تنحرف بهما العلّة عن الاستجابة رغم ان صاحب الدعاء قد يكون بهيئة تقربه من إجابة الدعاء، وقتاً أو شكلاً أو خضوعاً، لان علةالجرأة على الحرام، اقوى من الهيئة التي جاء بها مما يدعو كل مسلم أن يدقق في مداخل الكسب، وان يتورع عن الشبهات، التي تحول بينه وبين إجابة الدعاء
والدعاء عندما يكون بعد عبادة يخشع فيها القلب، وتدمع العين، وترفع فيها الأكف ضراعة لله، وخشوعاً وتأدباً، من مسببات قبول الدعاء، متى أخذ بالأسباب، وابتعد المرء عن الموانع، كالدعاء بالإثم أو بقطيعة الرحم أو كان الدعاء من قلب غافل لاهٍ، أو دعاء المرء وهو يقول قد دعوت ودعوت ولم يستجب لي فكأنه بذلك يعاتب ربه، أو يقنط من رحمته، أو غير هذا مما أجمله ابن القيم في قوله السابق، فإنه قد جاءت البشارة من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأمته بان الدعاء في مثل هذه الحالات لايضيع عند الله، بل هو في إحدى ثلاث حالات: إما ان يعجّل الله للداعي الإجابة، وإما ان يدفع عنه الله سبحانه بهذا الدعاء بلاءً كاد ان يقع عليه من حيث لايدري، وإما ان يدخر له في الدار الآخرة وكلا هذه الثلاث خير للداعي والله جلّ وعلا لطيف بعباده، خبير بأحوالهم وبما تصلح به أمور حياتهم في الدنيا وأحوالهم في الآخرة
ولذا فإن على الداعي ان يحرص على كثرة الدعاء، وان يتوسل الى الله بأعماله الصالحة التي رأى أثرها في نفسه وفي حياته وفي أولاده واهله: خيراً عميماً من الله، ورزقاً ميسراً، وصحة مستديمة، ومصائب يدفعها به وجاهاً في المجتمع، وتوفيقاً بالبعد عن الأمور التي نهى الله ورسوله عنها، ذلك ان من تعرف على الله في الرخاء عرفه سبحانه، ويسر أموره وكشف عنه البلاء وقت الشدة، كما جاء في قصة الثلاثة اصحاب الغار الذين توسلوا إلى الله بأعمالهم الصالحة ففرج عليهم الكربة، وانزاحت الصخرة التي سدّت الغار فخرجوا
وقد ذكر التنوخي رحمه الله في كتابه الفرج بعد الشدة، فصلاً كاملاً لاشخاص فرّج الله عنهم الكربات وزالت عنهم المحن بفضل الدعاء، ومن ذلك قوله: بان رجلاً وشي به عند الحجاج فأمر بإدخاله السجن، تمهيداً لقتله، فقام الرجل المسجون في جوف الليل، وصلى اربع ركعات ثم دعا بقوله: اللهم انك تعلم أني كنت على اساءتي وظلمي وإسرافي على نفسي، لم أجعل لك ولداً ولا شريكاً ولانداً، ولا كفواً فإن تعذب فعدل منك، وإن تعفو فأنت العزيز الحكيم، اللهم إني اسألك يامن لاتغلظه كثرة المسائل، ولايشغله سمع عن سمع، يامن لايأتي عطاؤه بإلحاح الملحّين، ولا يمنّ بعفوه، أن تجعل لي في ساعتي هذه فرجا ومخرجاً، مما أنا فيه، من حيث أرجو ومن حيث لا أرجو، وخذ لي بقلب عبدك الحجاج وسمعه وبصره ويده ورجله، حتى يخرجني في ساعتي هذه، فإن قلبه وناصيته بيدك ياربّ يارب، قال: وقد أكثر الدعاء فوالذي لا إله غيره، ما انقطع دعاؤه حتى ضُرب باب السجن، وقيل: يافلان؟ فقام الرجل وقال للسجناء: ياهؤلاءإن تكن العافية، فوالله لا أدع الدعاء لكم، وان تكن الثانية فجمع الله بيننا وبينكم في مستقر رحمته فبلغهم من الغد أنه خُلّي سبيله
بعد العسر يسراً:
جاء في كتاب المستطرف: أن مسلم بن الوليد الشاعر المتوفى عام 208 ه بجرجان قال: كنت يوماً جالساً عند خياط بإزاء منزلي، فمر بي إنسان أعرفه، فقمت إليه وسلّمت عليه، وجئت به إلى منزلي لأضيفه، وليس معي درهم، بل كان عندي زوج أخفاف، فأرسلتهما مع جاريتين لبعض معارفي، فباعتاهما بتسعة دراهم، واشترتا بها خبزاً ولحماً
فجلسنا نأكل، وإذا بالباب يطرق، فنظرت من شق الباب، وإذا بإنسان غريب يسأل من حوله: هل هذا منزل فلان؟ ففتحت الباب وخرجت فقال: انت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم فأخرج لي كتاباً وقال: هذا من الأمير يزيد الشيباني قائد الرشيد فإذا فيه: قد بعثنا لك بعشرة الاف درهم لتكون في منزلك، وثلاثة الاف تتجمّل بها لقدومك علينا فأدخلته إلى داري، وزدت في الطعام واشتريت فاكهة، وجلسنا فأكلنا، ثم وهبت لضيفي شيئا يشتري به هدية لأهله وتوجهنا إلى الأمير بالرقة، فوجدناه في الحمام، فلما خرج استأذن لي عليه فدخلت فإذا هو جالس على كرسي، وبيده مشط يسرّح به لحيته، فسلمت عليه فردّ أحسن ردّ، وقال: ما الذي اقعدك عنا؟ قلت: قلة ذات اليد، ثم أنشدته قصيدة مدحته فيها، قال: أتدري لِمَ أحضرتك؟ قلت: لا أدري قال: كنت عند الرشيد منذ ليال احادثه فقال لي: يايزيد من القائل فيك
سلّ الخليفة سيفاً من بني مضر
يمطى فيخترق الأجسام والهاما
كالدهر لاينثني عما يهمّ به
قد أوسع الناس إنعاماً وإرغاماً
فقلت: والله لا ادري يا أمير المؤمنين، فقال: سبحان الله، أيقال فيك مثل هذا، ولا تدري من قاله؟
فسألت: فقيل لي هو مسلم بن الوليد فأرسلت إليك، فانهض بنا إلى الرشيد فسرنا إليه، واستؤذن لنا، فدخلت عليه، فسلمت وقبلت يده، فردّ علي السلام، فأنشدته ما لي فيه من شعر، فأمر لي بمائتي الف درهم، وأمر لي يزيد بمائة وتسعين الف درهم وقال: ما ينبغي لي ان أساوي أمير المؤمنين في العطاء2:70(