تطرح هذه الاشكالية بصورة معلنة او مضمرة في سياق الجدل والنقاش حول العولمة فالمتخوفون من مخاطر عولمة الإعلام على التعددية الثقافية، واحتمال ظهور
التنميط او التوحيد الثقافي، ينطلقون من مسلمة نظرية هي التأثير الطاغي لوسائل الاعلام التقليدية وغير التقليدية او الاحدث كالوسائط المتعددة على حياة
الفرد والمجتمع، اما غير المتخوفين من عولمة الإعلام فانهم ينطلقون من مسلمة مضادة ترى ان تأثير الاعلام محدود، والغريب ان بمقدور كل فريق الاستناد الى
أطر نظرية ودراسات إعلامية كثيرة تؤيد وجهة نظره وموقفه، فالملاحظ ان حقل الإعلام والاتصال لم يبلور نموذجا أساسيا او حتى نظرية شاملة تقدم فهما كاملا
لعمليات التأثير الإعلامي ويدور جدل ونقاش حول حقيقة التأثير، ومدى التأثير الذي تحدثه وسائل الإعلام، وتحت اي شروط، وقد ظهرت كثير من النظريات والنماذج
التي تحاول تحديد وتفسير عمليات التأثير الإعلامي والعوامل المرتبطة به، ويمكن القول ان كلا منها يركز على جانب او مجموعة من الجوانب، فهناك من يهتم
بالآثار المباشرة او السريعة او غير المباشرة او الطويلة، وهناك من يركز على آثار الإعلام والاتصال على القيم والاتجاهات وأنماط السلوك لدى الفرد،، فيما
تركز نظريات اخرى على تأثيرات الاعلام والاتصال في المجتمع والثقافة والمنظمات الاجتماعية، ومن الصعب، وربما من غير المنطقي القول ان إحدى هذه النظريات
،) وقد دفعت هذه الإشكالية عددا من الباحثين في مجال الإعلام والاتصال الى الاهتمام Meqnail1984، 1969- Delerar and Rokeachصحيحة وبقية النظريات خاطئة (،
بتحقيب مراحل تطور نظريات ونماذج التأثير الإعلامي انطلاقا من كونها تعكس أحد أهم أبعاد التطور التاريخي لدراسات الإعلام والاتصال،
لقد تطورت نظريات ونماذج التأثير الإعلامي منذ بداية العشرينات من النظرة الى الإعلام كقوة هائلة في تشكيل الآراء والمعتقدات الى التأثير المحدود والنسبي
،1960) على أن هذا deniel Katz،1984، Mequailللاعلام انطلاقا من وجود متغيرات فردية واجتماعية وثقافية واقتصادية تحدد طبيعة واتجاه التأثير الإعلامي (،
التحقيب العام لم يمنع من ظهور أفكار وأبحاث تدعم من فكرة التأثير الطاغي لوسائل الإعلام، وقد انتعشت هذه الأفكار في السبعينيات والثمانينيات مع التطور
الكبير في إمكانيات التليفزيون وانتشار استخدامه، علاوة على التقدم التكنولوجي الكبير وما وفره من وسائل اتصال جديدة لكن المفارقة ان التقدم التكنولوجي في
وسائل الاتصال قد دعم في الوقت نفسه من فكرة التأثير المحدود لوسائل الإعلام حيث ظهرت افكار ترى ان تكنولوجيا الاتصال تتيح فرصا وإمكانيات واسعة أمام
الأفراد والجماعات الثقافية لامتلاك واستخدام وسائل اتصال متنوعة وباسعار رخيصة، يمكن ان تتخلق ما اسميه بالإعلام الموازي او المقاوم لإعلام المؤسسات
الكبيرة كالإعلام الحكومي او اعلام الشركات الاحتكارية الكبرى،
من جانب آخر فان تكنولوجيا الاتصال أتاحت امام الأفراد فرصا هائلة للاختيار بين وسائل ومضامين كثيرة ومتنوعة، من هنا تدعمت فكرة المتلقي النشط القادر على
الاختيار ومنح التأييد او الرفض او المقاومة للوسائل او الرسائل الإعلامية، كما برزت فكرة دور المتلقي في بناء وتفسير معاني الرسائل الإعلامية التي يتعرض
لها، وخلصت العديد من البحوث الى ان التأثير الإعلامي هو عبارة عن عملية مقسمة بالتساوي بين منتج الرسائل الإعلامية والمتلقي، واذا كانت عمليات الاتصال
والتأثير هي بالأساس عملية ثقافية، ومع التسلم بأن كل فرد هو عضو في جماعة ثقافية، فان بحوث الإعلام والاتصال التي اعتمدت على مدخل التحليل الثقافي
قد توصلت الى نتائج بالغة الأهمية حول الاتصال والإعلان، فالأفراد يختارون وسيستخدمون وسائل الإعلام في ضوء ثقافتهم، كما ان Cultural analysis approach
الجمهور ليس تجمعا بسيطا للافراد بل هناك أسس ثقافية واجتماعية يجب ان تؤخذ في الاعتبار عند دراسة عمليات التأثير، كذلك فان مضمون وسائل الإعلام هو ايضا
،1985) وقد كشفت بحوث الإعلام الثقافي المقارن عن اختلاف بعض دوافع وأهداف ومعاني الاتصال من مجتمع لآخر فالاعلام والاتصال في الثقافة Mecquailمنتج ثقافي (،
الغربية يعبر ويهدف لتحقيق الترابط الاجتماعي، بينما يعبر في الثقافة اليابانية عن علاقات اجتماعية قوية موجودة بالفعل، وفي حين تمثل الحاجات الفردية
، 1989)،،Kepplinger، lto،Edelsteinدوافع أساسية للاتصال عند الامريكيين، تبدو دوافع اليابانيين للاتصال مقيدة بإدراكهم انهم جماعة متفقة (،
واعتقد ان التسليم بإمكانية وجود المتلقي النشط او المتلقي الواعي القادر على اختيار وسائل الإعلام والاتصال التقليدية والحديثة في إطار المكونات الأساسية
لثقافته تسمح لنا بإعادة التفكير في نظريات النموذج الوظيفي التقليدي، وكذلك مقولات مدرسة التبعية حول الامبريالية الاتصالية التي تعكس وتتفاعل مع
،1971) والغزو الثقافي، ان إعادة النظر لا تعني رفض حقيقة وجود عدم توازن Galtungالإمبريالية الاقتصادية والإمبريالية العسكرية والإمبريالية الثقافية (،
وعلاقات الاستغلال بين أطراف عملية العولمة، ولكنها تعني التحليل النقدي الواعي لطبيعة التحولات المتسارعة في العالم، والنظر الى تفاعلات الإعلام والاتصال
والثقافة في اطار عملية العولمة من خلال أطر نظريات ومقارنات جديدة، تسمح لنا لفرز خيارات وبدائل عديدة ومتنوعة، في هذا السياق يمكن افتراض ان عولمة
الإعلام في اطار عملية العولمة قد تؤدي الى إثراء للتعددية الثقافية في العالم، حيث ستتيح تكنولوجيا الاتصال إمكانيات اكبر لكل الثقافات الفرعية في
التعبير عن هويتها الثقافية، والتفاعل مع بقية ثقافات العالم، كذلك فانه يمكن افتراض ان قوة وعمق العناصر المكونة للثقافات المختلفة قد تدفع الشركات
الاحتكارية متعددة الجنسيات والمتنافسة بحكم قوانين السوق والتنافس على كسب احترام الجهود الى الثقافات المختلفة وتقديم مضامين وصور ورموز تحترم هذه
الثقافات،
لكن عولمة الإعلام والاتصال قد يشكل تهديدا للتعددية الثقافية، وعدوانا سافرا لمبدأ احترام الهويات الثقافية للشعوب المختلفة، اذا عجزت الثقافات المختلفة
عن استخدام تكنولوجيا الاتصال في تأكيد هويتها الثقافية والتفاعل بروح إيجابية مع حقائق وأوضاع عولمة الإعلام،
الإشكالية الثالثة: عولمة الإعلام والمساواة
جاءت عمليات الترابط والتكامل بين الإعلام والاتصال والمعلوماتية، وتعاظم ادوارها في المجتمعات الصناعية المتقدمة كتعبير عن انجاز مشروع الحداثة وبداية
الدخول في المجتمع ما بعد الصناعي او مجتمع المعلومات،
ويثير هذا التحول إشكاليات تدور حول مستقبل التنظيمات الاجتماعية ووظائفها، ودور الدولة، واحترام الخصوصية الفردية، والسرية التجارية، والأمن القومي،
بالاضافة الى قضايا تتعلق بالعدالة، فمجتمع المعلومات ينبغي ان يخدم كل مواطنيه، وليس فقط المثقفين تقنيا والمميزين اقتصاديا (بيل جيتس، 1998)،،
وإذا كانت هذه الإشكاليات لم تحسم في مجتمعات تسير بخطى واسعة نحو مجتمع المعلومات فان الإشكالية الأكثر أهمية من وجهة نظري هي ادخال التطبيقات الحديثة
للإعلام والاتصال والمعلوماتية الى مجتمعات غير صناعية، لم تنجز مشروع الحداثة، بل تتجاوز وتتصارع فيها مراحل من التطور البشري، وتشكل هذه المجتمعات معظم
دول الجنوب والتي تتعرض لمستويات من الإفقار والتهميش الاقتصادي والسياسي المستمر على المستوى الأولي وتعاني داخليا من الظلم الاجتماعي والانقسام الطبقي
والصراع الثقافي،
ومثل هذه الأوضاع التي تسود في دول الجنوب لا تخلق بيئة مواتية لاستقبال التطبيقات الحديثة للاعلام والاتصال والمعلوماتية، فضلا عن المشاركة فيها، لكن
الحاصل ان هذه التطبيقات قد دخلت او بالأحرى اقحمت على مجتمعات الجنوب، مما خلق تشوهات وانقسامات جديدة تضاف الى رصيد الانقسامات والصراعات داخل هذه
المجتمعات حيث اقتصر استخدام التطبيقات الحديثة للاعلام والاتصال والمعلوماتية على بعض أفراد وجماعات النخب في مجتمعات الجنوب وظلت أغلبية المواطنين
محرومة وغير قادرة على استخدام او الاستفادة من هذه التطبيقات، بحكم أن استخدامها يتطلب مهارات اتصالية وقدرات مالية لا تتوفر لكل المواطنين في دول
الجنوب، حيث يوجد 1280 مليون شخص يعيشون بأقل من نصف دولار امريكي للفرد في اليوم، افريقيا الاثنان والخمسون (برنامج الأمم المتحدة، 1997) وقد انعكست هذه
الأوضاع على استخدامات وسائل الإعلام ففي بلدان يقطنها ما يزيد على الستمائة مليون نسمة لا توجد هيئات إذاعية قومية إلا في خمسة واربعة منها فقط، وتصل
هذه الهيئات الى مشاهدين يزيدون على التسعين مليونا، اما في آسيا فان نسبة 18% من حوالي 386 مليون منزل تتصل بخدمات الكابل او إرسال القمر الصناعي مباشرة
الى منازلهم ويوجد خط هاتف واحد لكل الف نسمة في افريقيا، وبعبارة اوضح فان أجهزة الهاتف في طوكيو وفي مانهاتن تفوق أعداد الهاتف في أفريقيا (تقرير اللجنة
العالمية للثقافة والتنمية 1997)،،
وإذا كان رخص وانتشار وسائل الاتصال التقليدية في مجتمعات الجنوب، خاصة الراديو، قد يدعم من فرص الاندماج السياسي والاجتماعي، فان طبقية استخدام تكنولوجيا
الاتصال والإعلام والمعلوماتية يعزز من انقسام مجتمعات الجنوب ويخلق فجوات معرفية، وفجوات في المعلومات وفجوة في الاتصال بالعالم بين اقلية تملك وتعرف،
وأغلبية لا تملك ولا تعرف، الامر الذي يمنح النخب المهيمنة اقتصاديا وسياسيا وإعلاميا قوة أكبر، وفرصا أكبر للسيطرة على حساب اغلبية المواطنين في دول
الجنوب، ان هذه الاغلبية ستحرم من التعرف او المشاركة والاستفادة من تطبيقات تكنولوجيا الاتصال والاعلام والمعلوماتية، وستترك لاستخدام بعض وسائل الإعلام
التقليدية، حيث ستحرم من شبكات التليفزيون المتطورة والتي يتطلب الحصول على خدماتها شراء أجهزة خاصة للاستقبال او تسديد اشتراكات سنوية،
التي ستحدثها عولمة الإعلام، لقد صك مارشال ماكلوهن Global Village اعتقد ان هذا الانقسام وما يثيره من إشكاليات يدفعنا لمراجعة مفهوم القرية الكونية
مفهوم القرية الكونية عام 1968 ليعبرا عن اعتقادهما بأن وسائل تكنولوجيا الاتصال ستؤدي الى انبعاث الاتصال الشفهي (المواجهي) من خلال Fiere وفيور Mcluhan
الكلام والاستماع، وفي مناخ من الألفة كما يحدث في القرية، حيث يعرف الناس بعضهم البعض، ويعيشون في حيز جغرافي واحد، ويتقاسمون الحياة معا ويتشاركون في
أن القرية Fortner القيم والعادات والتاريخ، لكن هذا الاعتقاد لم يتحقق، نتيجة تطور وسائل الاعلام والاتصال، واختلاف وتعقد العلاقات الدولية، ويرى فورتنر
فالناس تعيش في المدينة لا يعرفون كثيرا عن شؤون global metropolis الكونية اصبحت لسوء الحظ مفهوما مجازيا، لا وجود له، ويقترح مفهوم المدينة العالمية
الآخرين، والإعلام والاتصال يتدفق بين سكان المدينة بطريقة غير متساوية، وفي مناخ بعيد عن الالفة فالناس لا يعرفون بعضهم، لذلك يرى فورتنر ان مفهوم
المدينة الكونية اقرب لتوصيف ما حدث في العالم، ففي المدينة توجد سيطرة مركزية على نظام الاتصالات حيث تدار بواسطة اما الدولة أو الشركات الخاصة كما ان
،1993)،،Fortnerقدرة الناس على الوصول الى وسائل الاعلام واستخدامها تختلف (،
القصد أن القرية الكونية مفهوم افتراضي لم ولن يتحقق، وبالتالي فتوصيف العالم بالمدينة الكونية المتعددة الثقافات، والمنقسمة اجتماعيا واقتصاديا وسياسيا
وتكنولوجيا وإعلاميا هو الأقرب الى الدقة، بعبارة اخرى اننا لا نعيش عصر القرية الكونية على المستوى الاتصالي والإعلامي، بل نعيش في مدينة كونية ينساب
فيها قدر هائل من الاتصالات الخاضعة للسيطرة والتحكم بصورة متعددة، وتتقلص باستمرار قيم وسلوكيات العدل والمساواة والحق في الاتصال نتيجة التناقضات
الكبيرة في مستويات الحياة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والتكنولوجية بين سكان الجنوب باستثناء نخب محدودة وسكان الشمال وتزداد فيه فجوة المعلومات
والقدرة على استخدام تكنولوجيا الاتصال والإعلام والمعلوماتية،
ان السيطرة المركزية على المدينة الكونية تمارسها الشركات متعددة الجنسيات والدول الصناعية المتقدمة على صناعات تكنولوجيا الاتصال وترويجها وتدفق الأخبار
والمعلومات والصور والرموز أي صناعات الاعلام والثقافة، وتأتي الصناعات الامريكية على رأس قائمة القوى المسيطرة فالشركات الامريكية تملك 35% من سوق
المعلومات والاتصالات، وشركات الاتحاد الأوروبي 27% والشركات اليابانية 16% (الرأي العام الكويتية 1997/9/10) الأرقام تكشف قدرة المنتجات الإعلامية
والمعلوماتية الامريكية على أن تكون الأعلى صوتا والأكثر قوة على المستوى العالمي، لكنه قد لا يضمن لها تحقيق هيمنة ثقافية قادرة على طمس الهويات الثقافية
الأخرى او امركتها،
الإشكالية الرابعة: عولمة الإعلام وحرية الإعلام:
في إطار عولمة الاقتصاد تتزايد فرص نمو اقتصاديات الإعلام والاتصال والمعلوماتية، علاوة على أنشطة الإعلان والترويج، وهذا النمو ستقوده الشركات الاحتكارية
متعددة الجنسية، في وقت تتقلص فيه أدوار الحكومات وتتآكل شرعيتها خاصة في دول الجنوب، من هنا فان حرية الإعلام تطرح نفسها كإشكالية ذات أوجه متعددة، ويشيد
إلى أنه في ظل الشركات الاحتكارية العملاقة ووجود مليارديرات من أمثال بيل جيتس، وروبرت مردوخ Serge Halimi عضو هيئة تحرير لوموند ديبلوماتيك سيرج حليمي
وجان لوك لاجادرير، وتيد تيرنر وكونراد بلاك وغيرهم ممن يملكون الصحف ودور الطباعة التي نكتب نحن فيها ولها كما يملكون الإذاعات وقنوات التليفزيون التي
نتحدث ونظهر فيها،، وبتعبير آخر في مثل هذا العالم الشمولي الكلياني، وهذا الكون الاجمالي، هل ما نزال نحن الصحفيين والمفكرين قادرين على اداء دورنا
المعارض للسلطة، وان نكون صوتا من لا صوت،، (سيرج حليمي، لموند ديبلوماتيك، اغسطس 1997)،،
ان هذه الأسئلة وغيرها تكشف عن الأوجه المختلفة لإشكالية حرية الإعلام، فثمة مخاوف وتحديات تتعلق بمدى قدرة وسائل الإعلام والاتصالات الحديثة المرتبطة
بالشركات الإعلامية العملاقة على ان تدافع عن مصالح المواطن، وهل ستتحول وسائل الإعلام والاتصال الى ابواق دعائية للشركات الاحتكارية متعددة الجنسية والتي
يبلغ عددها 200 شركة وتسيطر على أكثر من 30% من الانتاج المحلي الخام في العالم (فردريك كليرمونت، لموند ديبلوماتيك، اغسطس 1997) في هذا الإطار فان
إشكالية العلاقة بين سطوة الإعلان وحرية الإعلام ستطرح نفسها بقوة أكبر ففي عام 1988 تم انفاق ما يقرب من 200 مليار دولار في ميدان الإعلان، وتدور
التقديرات لعام 1990 حول 265 مليار دولار (ماتلار، 1991) وبالنسبة لسوق الإعلانات في العالم العربي، فان السوق الخليجي يأتي في المقدمة إذ يربو عن 750
مليون دولار سنويا (الحياة، 1998/3/27) بينما يقدر نائب رئيس الجمعية المصرية للإعلان ان يصل حجم الانفاق في السوق الإعلانية بمصر الى 3،8 مليار جنيه عام
،1997، بزيادة قدرها 40،7% عن عام 1996 (الحياة، 1997/7/20)،،
ومع تعاظم نمو الشركات متعددة الجنسية وسيطرتها على اسواق العالم يتسارع الانفاق على الاعلانات وأنشطة البيع والترويج، وسيكون هذا الإعلان والترويج معولما
إذا جاز الوصف اي انه متعدد الجنسيات، وستبث هذه الإعلانات من خلال شركات إعلام عملاقة متعددة الجنسيات تملك وسائل إعلام معولمة، من هنا سيكون من الصعب
على المجتمع المحلي او الحكومات ضبط العلاقة او وضع ضوابط لحماية حرية الإعلام او حتى تعيين حدود لتأثير الإعلان في حرية الإعلام، وربما تستطيع المجتمعات
الصناعية المتقدمة عبر مؤسسات المجتمع المدني الراسخة والمؤثرة ان تحدث من هيمنة وقوة الشركات الجنسية، وتضع ضوابط او معايير قانونية او اخلاقية ومهنية
لضمان حرية الإعلام وحق المواطن في الحصول على المعلومات، لكن التحدي يطرح نفسه بالحاح على دول الجنوب حيث تغيب مؤسسات المجتمع المدني او تتسم بالضعف
الشديد،
عولمة الإعلام: الفرص والمحاذير
في ضوء الأبعاد والمكونات الأساسية للعولمة، والإشكاليات التي تطرحها عولمة الإعلام يمكن القول بوجود مجموعة من الفرص والمحاذير التي تطرحها عولمة الإعلام
على الهوية الثقافية العربية، والتي ستحدد مسار ومستقبل التفاعل بين الثقافة العربية وعولمة الإعلام،
واعتقد ان التعامل مع عولمة الإعلام على اساس وجود فرص وتحديات او مخاطر يعني في البداية رفض الخضوع او التسليم بمنهج المؤامرة في النظر والتعامل مع عولمة
الإعلام، فالعولمة ليست مؤامرة تستهدف العرب والمسلمين وحدهم، بل هي أحد أبعاد عملية العولمة، او على وجه الدقة هي البعد الأكثر وضوحا وبروزا، وتحققا في
عملية العولمة، بعامة، فهي عملية جارية تؤثر في شعوب وثقافات العالم بما في ذلك العرب بدرجات ونسب متفاوتة وبالتالي لم يعد أمامنا من مجال أو خيار لرفض
او قبول عولمة الإعلام،
لذلك يقترح الباحث عدم الاكتفاء بموقف فضح الآثار السلبية لعولمة الإعلام والحديث المكرر عن الهيمنة الإعلامية والثقافية الغربية بقيادة الولايات المتحدة،
او إجهاد الفكر في إثبات مخاطر الامركة إعلاميا وثقافيا،، إن كل ذلك على ما اعتقد ثابت ومعروف وقد قدمت المدرسة النقدية في الإعلام والاجتماع والعلاقات
الدولية شواهد ودلائل وقولات نظرية بالغة الأهمية عن عدم التوازن في النظام الإعلامي العالمي، وعن مخاطر الهيمنة الإعلامية والثقافية للشركات الاحتكارية
متعددة الجنسية،
اعتقد ان عولمة الاعلام تتيح للعرب منفذا ولو محدودا للاستفادة، وربما المشاركة في ثورة تكنولوجيا الاتصال والإعلام والمعلوماتية، كذلك فان كثرة وتعدد
قد يقلل من قدرة الإعلام المحلي على إخفاء الحقائق Multi media وسائل الإعلام ونفاذها عبر الحدود السياسية للدول، وتوافر تطبيقات الوسائط المتعددة
والهيمنة السياسية وتزييف وعي مواطنيه، كما ان انتشار تكنولوجيا الاتصال قد يدعم من التنوع الثقافي داخل الثقافة العربية، حيث سيتيح فرصا افضل لكل
الجماعات والثقافات الفرعية في إطار الأمة العربية والثقافية العربية في التعبير عن نفسها، وتأكيد خصوصيتها الثقافية ضمن الالتزام بالهوية الثقافية
العربية،
أكثر من ذلك وفي إطار الفرص المتاحة، أظن ان خصخصة وسائل الإعلام العربية والسماح للقطاع الخاص بالاستثمار في هذا المجال قد يعظم من فرص التطور
الديمقراطي، ويدعم من مؤسسات المجتمع المدني،
هذه الفرص توجد محاذير وتحديات بالغة، فهناك تحدي تعميم الإعلام والاتصال المحلي او المعولم لثقافة الاستهلاك والمتعة، وتهميش منتجات الإعلام والثقافة
الراقية، علاوة على تهميش او تجاهل قيم العمل والانتاج، الأمر الذي قد يرفع من مستويات تطلع الجماهير العربية بصورة لا تتفق والامكانيات الاقتصادية
المتاحة لها،
وهناك تحديات حرية الإعلام، والتبعية الإعلامية والانقسام داخل المجتمعات العربية بين نخب قادرة على استخدام والاستفادة من تكنولوجيا الاتصال والاعلام
والمعلوماتية أي نخب معولمة إذا جاز الوصف، وأغلبية غير قادرة على ذلك، ومهمشة اجتماعيا واقتصاديا وإعلاميا، وربما ثقافيا،
على ان اخطر تلك التحديات هو ما قد تتعرض لها المكونات الأساسية للثقافة العربية ممثلة في الدين واللغة العربية، والوعي التاريخي والآخر، فمن الثابت ان
عولمة الإعلام تعتمد على اللغة الانجليزية، كما أن صورة العرب والمسلمين في الإعلام الغربي لا تعبر عن الواقع، بالاضافة الى ان الإعلام الغربي يتعامل مع
العرب بحكم علاقات الاستعمار والتبعية كأقطار متفرقة لا كأمة واحدة،
ان هذه التحديات على خطورتها لا تعني طمس الهوية الثقافية العربية أو تشويهها، حيث اعتقد ان الثقافة العربية رغم ما تعانيه من مشكلات تحظى بوضعية وتتمتع
بإمكانيات تفوق غيرها من الثقافات المعاصرة، فهي ثقافة أمة مكتملة التكوين، وتستند هذه الثقافة الى أسس قوية راسخة، فضلا عن تنوعها الذي يجب ان نحرص عليه
وندعمه، من هنا اقترح فتح حوار جاد تشارك فيه كل فعاليات المجتمع العربي، خاصة قوى المجتمع المدني للاتفاق على أسس وضوابط ثقافية لعملية التفاعل بين
الثقافة العربية وعملية العولمة في الإعلام،
ويمكن اقتراح الأسس التالية:
،1 دعم الهوية الثقافية العربية وتنميتها، من خلال تعميم الديمقراطية، وتطوير النظم التعليمية، واحترام حقوق الإنسان العربي، واحترام ودعم التنوع الثقافي
العربي في اطار وحدة الثقافة العربية،
،2 تعظيم المشاركة الإيجابية للثقافة العربية في استخدام تكنولوجيا الاتصال والإعلام والمعلوماتية، ويتطلب ذلك تطوير القدرات الإعلامية والاتصالية
والمعلوماتية العربية، والارتقاء بمستواها من خلال التعاون والتكامل بين مؤسسات الدولة والقطاع الخاص في الوطن العربي، والتي تعمل في هذه المجالات، بدلا
من التنافس الضار والسلبي الذي وقعت فيه على سبيل المثال القنوات الفضائية العربية،
،3 اتخاذ إجراءات حمائية على غرار ما قام به البرلمان الأوروبي في فبراير 1996 عندما قرر إلزام صناعة السينما والتليفزيون بتخصيص 51% من برامجها للانتاج
الأوروبي، وكذلك ما قامت به فرنسا لحماية صناعة السينما حيث فرضت ضريبة قدرها 11% على بطاقات الدخول الى دور العرض تستخدم في دعم صناعة السينما الفرنسية،
،4 قيام المثقفين العرب بدورهم في التوعية بمخاطر عولمة الإعلام والسعي في الوقت نفسه للاستفادة من الفرص التي تتيحها، وتعظيم مشاركتهم فيها،
،5 العمل على المستوى الدولي من أجل ترسيخ مبدأ التعددية الثقافية واحترام كل الثقافات،
المراجع
،1 بيل جيتس، ترجمة عبدالسلام رضوان، المعلوماتية بعد الانترنت (طريق المستقبل) الكويت، عالم المعرفة 1998 ص9،
،2 محمود علم الدين، ثورة المعلومات ووسائل الاتصال: التأثيرات السياسية لتكنولوجيا الاتصال دراسة وصفية، السياسة الدولية، يناير 1996 ص 102116،
،3 اجناسيو رامونيه، لوموند ديبلوماتيك، الطبعة العربية، اغسطس 1997،
،4 المهدي المنجرة، الحرب الحضارية الأولى، مستقبل الماضي وماضي المستقبل، الدار البيضاء عيون، 1991 ص279،
،5 سيرج برو، ثورة الاتصال، ترجمة هالة عبدالرؤوف مراد القاهرة المستقبل العربي 1993و ص179،
،P.145، 1989،OxFord university press، Culture Inc، HERBERT SCHILLER،6
،7 اليس روثورن، فايننشال تايمز، الحياة الدولية 1996/5/22م،
،8 خالد المبارك، الحياة الدولية 1996/3/5م،
،9 حسن عماد، البث الفضائي وانعكاساته على الواقع الثقافي، في مؤتمر الثقافة والإعلام بين الواقع والطموح، القاهرة: الهيئة العامة لقصور الثقافة، 1997 ص125،
،10 اخباسيو رامونيه، مرجع سابق،
،11 الفت اغا، البنية التحتية المعلوماتية الكونية، الدراسات الإعلامية، ابريل يونيو 1997 ص 167179،
،12 عواطف عبدالرحمن، الحق في الاتصال بين الجمهور والقائمين بالاتصال،عالم الفكر، يوليو سبتمبر اكتوبر ديسمبر 1994 ص1851،
pp.30-31.،1995،MacMill an،London، International power international communication، D.ALL eyne، Mark،13
،14 هشام شيشكلي، صراع اباطرة الإعلام وحرب الفضائيات العالمية، الحياة الدولية 1997/12/15،
،15 سيد ياسين، حوار الحضارات في عالم متغير، التقرير الاستراتيجي العربي، القاهرة، مركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالاهرام 1992، ص12،
p.27.، 1989،Longman، MELVIN L.DEFLUR and SANDRA BALL-ROKEACH theories of man Communication London،16
_141.P.P139، 1990،london EDWARD ARNLD( EDS،)JOHN andEREMY HAWTH، Social Communication studies،Stuart SIGMAN،17
pp.217-218.،1981،London Longman، communication،Damis Mcquail،18
PP.527-543.، 1960 TLLINOIS، man communication( ed، )wilbur Schram،public opinion and propaganda،ANJ Others،DENIEL KATZ
cit pp.260-270.،op،Danis Mcquial،19
mass communication ( eds)in M.gurevitch and M.R.leny ، with the benefit of hindsight: reflection on usess and Gratifications researh، D.Mcquail،20-
، 1985.ca: sage، Beuerly hills، yearbook
،21 نقلا عن ايمن منصور نداو الاختراق الثقافي عن طريق البث الوافد، دراسة مسرحية لأدبيات الاختراق اعمال ندوة الاختراق الإعلامي للوطن العبي، نوفمبر 1996،
معهد البحوث والدراستت العربية القاهرة 1996و ص18،
pp.81-117.، 1971، no 2،vol ..8، Jornal of peace research، John Galtung. A structural of Timerialism،22-
،23 بيل جيتس، مرجع سابق 398،
،24 انظر تقرير برنامج الأمم المتحدة للتنمية 1997،
،25 تقرير اللجنة العالمية للثقافة والتنمية، التنوع البشري الخلاق، القاهرة المجلس الأعلى للثقافة 1997م ص113،
pp.23-24، 1993، california، Belmont، international communication، Robert S-Fortner،26-
،27 الرأي العام الكويتية 1997/9/10م،
،28 سيرج حليمي، لموند ديبلوماتيك، الطبقة العربية اغسطس 1997،
،29 فردريك كلير مونت، المرجع السابق،
،30 ارماند ماتلار ترجمة عزة ابو النصر امبراطورية الاعلان، القاهرة دار المستقبل العربي 1991، ص50،
،31 الحياة الدولية 1998/3/27،
،32 الحياة الدولية 1997/7/20،