مقامة كلامية
سر الصبر العجيب
لايملك الانسان العادي الكادح من أجل لقمة العيش إلا ان يتعجب من فئتين من الناس: من صبر السياسيين وهم يفاوضون، وهم يتعاطون السياسة، وهم لا يملون من
الجدل، وهم ينتقلون من بلد الى بلد، ومن طاولة الى طاولة، حاملين حقائبهم، وموزعين ابتساماتهم! والفئة الأخرى، مثار العجب: هؤلاء الاعلاميون الذين لا
يسأمون من نقل أخبار السياسيين المتشابهة وأقوالهم المتكررة، وصورهم التي لا تتغير! وخُذ نماذج من ذلك:
اخبار الأزمة العراقية في مدها وجزرها، صدام وهو يدعو المفتشين الدوليين لحمل حقائبهم والعودة من حيث أتوا! ثم الحشد الدولي لمجابهة ذلك، والتهديد
باستخدام القوة! وينتهي الأمر بقبول النظام العراقي للأمر المرفوض، وعودة المفتشين! وتتكرر علىنفس المسرح، نفس الأقوال، وذات الممثلين، ولاتجد السياسيين
يملون من تكرار أدوارهم، وأقوالهم، ولا الاعلاميين يسأمون من ترداد نفس التغطيات التي حفظنا عباراتها وجملها ومواقع علامات التعجب والاستفهام فيها!,
وفي أخبار مفاوضات السلام، تتكرر الصور ذاتها، والأقوال عينها نتنياهو يطلب من الفلسطينيين ترتيبات أمنية مشددة للقضاء على خصوم اسرائيل، وعرفات يستنكر
موقف نتنياهو ويصفه بعدو السلام، ويطلب من الموقف الدولي تأييده! ولا يمل الاثنان من ترديد ذلك بصفة شبه يومية!,
والسياسيون بين الطرفين منذ ما يقرب من تسع سنوات لا يملون من الاجتماعات وحمل الحقائب، وتكرار نفس التصريحات والأقوال، وترديد العبارات كل يوم بل في كل
نشرة أخبار! والاعلاميون من خلفهم لا يسأمون ولا يكلون من نقل وتتبع اخبارهم التي لاجديد فيها أبدا!,
وتسمع أو تقرأ أخبار الصرب، وهم يكررون جرائمهم ومذابحهم في الشعوب الأخرى الواقعة تحت سلطتهم، فتجد أنهم لا ينتهون عن افعالهم، ولا العالم الذي ينهاهم عن
مذابحهم ويلوح لهم باستخدام القوة ينتهي عن تكرار نفس الأقوال والتهديدات التي يروجها كل يوم!,
وتستمع شبه يومي الى أخبار الفئات الافغانية المتطاحنة، فلا تدري ايهم الذي احتل البلد الفلاني، ولا أيهم الذي استرده، لأن العبارات تتكرر كل يوم بنفس
المعنى ونفس الايقاع! وقُل مثل ذلك عن أزمات عالمية متشابهة تتكرر مشاهدها كل يوم!,
فعجبا من هؤلاء السياسيين، ومن هؤلاء الاعلاميين، كيف لا يتسلل الملل والسأم الى نفوسهم، وهم يعيشون هذا البرنامج اليومي المكرر بكل تفاصيله!,
وعجبا للانسان العادي، وهو المتلقي المغلوب على أذنه، بل على حواسه الخمس كلها! وهو يستمع الى نشرات الاخبار اليومية بل الوقتية واللحظية، كيف لا تمل
أذناه وعيناه، وكيف لا يسأم فكره من متابعة هذه التفاصيل اليومية الدقيقة التي يسمعها كل يوم، ويقرؤها كل حين، ويشاهدها كل صباح وعشية! ولكنه يظل متلقيا
مستقبلا، ربما لأن الاعلاميين الذين ينقلونها أو يكتبونها يتغيرون بين حين وآخر، ويتناوبون كل آونة وأخرى، ولربما كان هذا هو سبب صبره العجيب على مداومة
التلقي !!،
عبدالكريم بن صالح الطويان


[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved