لها تهيمن على صناعات تكنولوجيا الاتصال وعلى المنظمات والاتحادات والهيئات الدولية المعنية بالاتصال والاعلام الدولي,
يمكن رصد مجموعة كبيرة من النتائج والاثار المترتبة عن عدم التوازن في النظام الاتصالي والاعلامي الدولي ولعل اهم هذه النتائج:
،1 - اعتماد دول الجنوب على صناعات وتطبيقات تكنولوجيا الاتصال: تتركز هذه الصناعات في الدول الصناعية المتقدمة وتسيطر عليها الشركات متعددة الجنسية عبر
فروعها المنتشرة في بعض دول الجنوب مثل تايوان وكوريا وسنغافورة وماليزيا واندونيسيا,
ويخلق هذا الوضع تبعية تكنولوجية حيث تعاني معظم دول الجنوب من عدم القدرة على صناعة وتطوير تكنولوجيا الاتصال او حتى صيانتها، كما تتحكم دول الشمال
والشركات متعددة الجنسية في اسعار وسائل الاعلام وفي نوعية التكنولوجيا خاصة في مجال الكمبيوتر والمعلومات التي تسمح بتصديرها لدول الجنوب, وتضطر كثير من
دول الجنوب الى القبول بأسعار وشروط صعبة للحصول على تكنولوجيا وسائل الاتصال والاعلام وقد تكون هذه التكنولوجيا قديمة او لا تناسب اوضاع وظروف دول الجنوب,
،2 - نشر الثقافة الغربية والترويج لها على حساب بقية ثقافات العالم: ان قوة وسائل الاعلام الغربية تمكنها من اختراق حدود دول الجنوب ونشر الثقافة الغربية
من خلال مضامين وبرامج جذابة ومغرية لا تقدم الواقع الحقيقي في البلاد الصناعية الغربية، وتنشر هذه المضامين الغربية بين المواطنين في دول الجنوب نتيجة
ضعف وسائل الاعلام المحلية وضعف مستوى البرامج التي تنتجها علاوة على ان وسائل الاعلام المحلية تعتمد كثيراً على البرامج والمضامين الاعلامية والترفيهية
المنتجة في الدول الغربية عامة والولايات المتحدة خاصة، فكثير من دول الجنوب ليس لديها التجهيزات الفنية او الخبرات البشرية او التمويل اللازم لانتاج
برامج ومسلسلات تلفزيونية لذلك فهي تلجأ الى الاستيراد من السوق العالمي الذي تسيطر عليها الشركات واستديوهات الانتاج الامريكي وادت تكنولوجيا الاتصال الى
زيادة ساعات الارسال الاذاعي والتلفزيوني مما دفع كثيرا من دول الجنوب الى التوسع في استيراد المضامين الاعلامية والترفيهية من الخارج وللاسف فان بيع هذه
المواد تجري على اسس تجارية، من هنا فان اغلب المواد الاعلامية والترفيهية المستوردة تتسم بالرخص وضعف المستوى الفني وقد كشفت دراسات عديدة عن وجود علاقة
بين انخفاض اسعار المواد التلفزيونية المختلفة وتدني مستواها الفني وخلصت دراسات اخرى الى ان مضامين المسلسلات والافلام تعكس قيم وثقافة المجتمعات التي
انتجت فيها وكثير من هذه القيم والعادات لا يتناسب مع القيم والعادات السائدة في دول الجنوب، وهو ماينتج نوعا من الصراع الثقافي والقيمي لدى المواطنين كما
يهدد الثقافة الوطنية والهوية الوطنية حيث تنشر هذه المضامين الغربية وتروج لنمط الحياة الغربية وتقدمه بصورة براقة مما قد يؤثر على قطاعات الشباب في
مجتمعات الجنوب ويدفعها احيانا الى التقليد والمحاكاة,
وثمة تحذيرات ومخاوف من هذه الاثار الثقافية السلبية على حياة الافراد والمجتمعات في دول الجنوب، بما في ذلك الدول العربية، لذلك حذر بعض الباحثين
والمفكرين من مخاطر الغزو الثقافي أو الاختراق الثقافي او ما اطلق عليه مفكرون آخرون الاستعمار الثقافي, ان كل هذه المفاهيم تعبر عن مخاوف حقيقية من سعي
الدول الصناعية والشركات المتعددة الجنسية لفرض ثقافتها واسلوب حياتها في العالم، وهو ما يعرف بالتوحيد او التنميط الثقافي اي توحيد ثقافات العالم وفق
النموذج الثقافي الغربي، او بالتحديد الامريكي لذلك يطلق عليه بعض المفكرين خطر الأمركة وهو نشر لقيم ثقافية وطريقة حياة وانماط سلوك امريكية ترتبط
باستهلاك انواع معينة من السلع والخدمات الثقافية والمادية التي تنتجها وتوزعها الدول الصناعية الكبرى والشركات متعددة الجنسية, ومثل هذه الانماط
الاستهلاكية قد لا تتناسب والظروف الاقتصادية لمعظم دول الجنوب,
،3 - التحيز في جمع ونشر الاخبار والمعلومات عن العالم: تسيطر الوكالات الخمس الكبرى على عمليات جمع ونشر الاخبار، والتي تتم من خلال اختيارات وقرارات
تستبعد بعض الاخبار وقرارات اخرى تجيز نشر بعض الاخبار او تخصص لها حيزا كبيرا من الوقت والمساحة بحسب اهمية هذا الخبر من وجهة نظر العاملين في هذه
الوكالات الخمس الكبرى,
وقد اظهرت عديد من الدراسات ان اخبار دول الجنوب لا تزيد على 20% من اجمالي الاخبار التي توزعها الوكالات الخمس الكبرى رغم ان سكان دول الجنوب يمثلون 80%
من سكان العالم كذلك فان معظم الاخبار التي تبثها هذه الوكالات عن دول الجنوب تهتم باخبار الكوارث الطبيعية كالفيضانات او الحرائق او الاخبار الغريبة
والطريفة وتهمل الاخبار السياسية او الاجتماعية التي تهم شعوب دول الجنوب, مما يشير الى ان الوكالات الغربية تقوم بتحديد اخبار العالم وتحريفها واستبعاد
قيم دول الجنوب منها والتركيز على الاخبار التي تخدم مصالح الدول الغربية,
ويمكن التمييز بين نوعين من التحيز في عمليات نقل الاخبار والمعلومات وما يقدم عن دول الجنوب في وسائل الاعلام الغربية، الاول تحيز كمي ويقصد به عدد
الاخبار والمعلومات التي تتدفق من دول الشمال الى الجنوب، ونسبة ما يخص دول الجنوب منها، والثاني تحيز كيفي ويتعلق بنوعية الاخبار والمعلومات والصور التي
تقدم بها دول الجنوب والاحداث الجارية فيها,
لقد اجريت بحوث كثيرة حول تدفق الاخبار والمعلومات واسباب عدم التوازن والتحيز في تناولها للاحداث العالمية واشارت نتائج بعض البحوث الى ان هناك عناصر
داخلية واخرى خارجية تحدد اهمية الاخبار وتداولها فالعناصر الداخلية ترتبط بأهمية الاحداث والقيمة الاخبارية لها من وجهة نظر القائمين على التحرير في
في العناصر السياسية والاقتصادية بما في ذلك الرقابة الحكومية وملكية وسائل الاعلام,Ostgard الصحف، اما العوامل الخارجية فقد لخصها اوستجارد
وينفي العاملون في وكالات الانباء الخمس الكبرى الاعلامية الغربية الدولية عن انفسهم تهم التحيز، ويؤكدون انهم يعملون على اسس مهنية وموضوعية عند اختيار
الاخبار والموضوعات والتركيز عليها، وانهم عندما يهتمون بأخبار المجتمعات الصناعية الغربية فانهم يقومون بذلك لارضاء المستهلك الغربي الذي يعتبر الزبون
الاول لهذه الوكالات، كذلك فان الدول الصناعية المتقدمة تولد اخبارا ومعلومات اكثر اهمية من دول الجنوب، من ناحية اخرى فان دول الجنوب تتطلع دائماً الى
معرفة ما يجري في الدول الصناعية المتقدمة وقد اجريت ابحاث مقارنة بين صحف تنتمي لدول الجنوب وصحف اخرى تنتمي لدول صناعية متقدمة، واتضح منها ان العاملين
في هذه الصحف يختارون نفس الاخبار ويهملون كثيرا من الاخبار التي تقدمها الوكالات الخمس عن دول الجنوب اكثر من ذلك فان الصحف في دول الجنوب لا تهتم
احياناً بأخبار دول مجاورة لها وتركز على اخبار دول صناعية متقدمة تربطها بها علاقات تاريخية او اقتصادية او سياسية قوية، من هنا اشار فريق من الباحثين
الى ان القيم الاخبارية وفنون التحرير الصحفي التي يجري تدريسها في العالم بما في ذلك دول الجنوب تنطوي على افكار ومعايير متحيزة احياناً بالاضافة الى ان
بعض العاملين في اجهزة الاعلام بدول الجنوب يقلدون ربما دون فهم وسائل الاعلام الغربية، وبالتالي يقعون في نفس اخطاء التحيز التي تقع فيها,
،4 - تقديم صور غير واقعية وغير حقيقية عن العالم خاصة في دول الجنوب: تقوم وسائل الاعلام بنقل الاخبار والمعلومات وتشكيل العالم من خلال صور ورموز يجري
نشرها وتداولها، ويفضل الجمهور التعامل مع العالم من خلال صور لانها تجعل الناس يدركون العالم في سهولة ويسر وفي وقت قصير، لذلك ركزت كثير من الدراسات على
الصور والرموز التي تقدم بها وسائل الاعلام مشكلات العالم بعامة ومشكلات دول الجنوب وقضاياه بخاصة حيث كشفت هذه الدراسات عن وجود صور ايجابية وسلبية
ومحايدة لكن اغلب هذه الصور سلبية وللاسف فانها تكرر اكثر من غيرها وبالتالي تثبت في اذهان الرأي العام في دول الشمال,
ولعل اشهر هذه الصور صور الانقلابات السياسية والصراعات المسلحة في دول الجنوب والمجاعات واحداث الارهاب,, وكل هذه الصور تؤكد تخلف شعوب الجنوب وانتشار
الفوضى في اراضيها ولا شك ان بعض هذه الصور قد تكون حقيقية فهناك دول افريقية او اسيوية تعاني من هذه المشكلات، لكن من الظلم تعميم هذه الصور والصاقها بكل
الشعوب الافريقية والاسيوية دون تمييز فهناك دول افريقية واسيوية تعيش في امن واستقرار وتواصل مسيرتها التنموية بنجاح لكن هذه الصور الايجابية تكاد تغيب
عن وسائل الاعلام الغربية ولا تظهر الا نادراً,
ان من شأن تقديم صور غير واقعية لشعوب العالم وابراز الجوانب السلبية واهمال الايجابيات تعميق سوء الفهم بين شعوب الشمال والجنوب وتجدر الاشارة هنا الى ان
صور العرب والمسلمين تعرضت وما تزال الى تشويه كبير حيث ألصقت بهم صور الارهاب والجهل والتخلف وعدم احترام المرأة وانتهاك حقوق الانسان والميل الى
الاستبداد والثراء النفطي ويرى د, حلمي خضر ساري ان صورة العربي الثري الذي يعشق النساء انتشرت في السبعينات في وسائل الاعلام الغربية وقد ظهرت رسوم
كاريكاتيرية تجسد ذلك منها رسم يصور العربي كشخص عدواني يرتدي الجلباب ليخفي كرشه ويظهر الجشع في عينيه، ومن خلفه حريمه وهن مجموعة من حوالي احدى عشرة
امرأة محجبة!!,
وفي الثمانينات تغيرت صورة العربي من الرجل النفطي الثري الى الارهابي الذي يحمل مدفعا وقنبلة يقتل بهما الاطفال، وقد استغلت وسائل الاعلام الغربية ظهور
بعض الجماعات الارهابية التي تسيء الى الاسلام في ترويج هذه الصورة,
ان صورة العربي في السبعينات او الثمانينات في وسائل الاعلام الغربية هي صورة غير حقيقية فليس كل العرب من الاثرياء او من الارهابيين ولكن خلق هذه الصور
وتعميمها يخدم المصالح السياسية للدول الكبرى ويساعدها على اقناع شعوبها بأهمية استمرار دعم اسرائيل وبقائها في المنطقة العربية وادعاء ان اسرائيل دولة
ديمقراطية قادرة عسكرياً على مواجهة الارهاب العربي وحماية المصالح الغربية في المنطقة وفي مقدمتها البترول,
هكذا تحرك المصالح السياسية عمليات خلق الصور وتداولها عبر وسائل الاعلام الغربية المهيمنة على النظام الاعلامي الدولي,
،5 - انفراد وسائل الاعلام الغربية بعمليات ترتيب اولويات القضايا الدولية: ان هيمنة وكالات الانباء ووسائل الاعلام الغربية على النظام الاعلامي والاتصال
الدولي تمكنها في اختيار الاخبار والموضوعات والتركيز عليها ومن ثم طرحها وترتيب اهميتها وفق مقتضيات ومصالح السياسة الخارجية للدول الغربية,
لقد ظهرت نظرية قيام وسائل الاعلام بترتيب القضايا المطروحة في المجتمع لتوضيح احد جوانب تأثير الاعلام في الرأي العام، فالافراد يهتمون ويفكرون في
القضايا والموضوعات التي يركز عليها الاعلام، وقد اجريت ابحاث مثيرة حول هذه العملية، لكن يمكن افتراض ان وسائل الاعلام والاتصال الغربية الدولية خاصة في
عصر العولمة والسماوات المفتوحة تتمتع بقدرة كبيرة على تحديد اولويات القضايا الدولية، ودفع الرأي العام العالمي والنخب السياسية في دول الجنوب للتفكير في
هذه القضايا والاهتمام بها وبالتالي فان من سيضع اولويات القضايا سيحصل على مزيد من القوة في المجال الدولي خاصة وان تحديد الاولويات ليست عملية محايدة بل
تعكس مصالح الدول المهيمنة على وسائل الاعلام الدولية، ولتوضيح ما نقصد نضرب مثالا بقضية التوصل الى اتفاق سلام في ايرلندا حيث اصبحت هذه القضية على رأس
اولويات وسائل الاعلام والاتصال الدولية وتراجعت قضية تعثر المفاوضات الاسرائيلية الفلسطينية رغم انها اكثر اهمية وتأثيراً على السلام العالمي,
على مستوى آخر فان بعض اولويات القضايا المحلية في المجتمعات الصناعية المتقدمة تتحول الى قضايا دولية وتحتل الاولوية في اهتمام وسائل الاعلام في العالم
كله وعلى سبيل المثال تصدرت قضية مونيكاجيت اهتمامات وسائل الاعلام الامريكية باعتبارها حدثاً داخلياً مهماً لكن سرعان ما انتشر الحدث دولياً لاسباب عديدة
اهمها قوة الاعلام الامريكي وبالتالي تصدر اهتمامات وسائل الاعلام الدولية والمحلية بما في ذلك وسائل الاعلام المصرية بينما تراجع الاهتمام بأزمة العراق
مع الامم المتحدة وبالمأساة غير الانسانية التي يتعرض لها الشعب العراقي, هذه نماذج عن كيفية تأثير عدم التوازن في النظام الاعلامي الدولي على ترتيب
اولويات القضايا بشكل متحيز لا يراعي مصالح دول الجنوب او الاهتمامات الحقيقية التي يجب ان يجري التركيز عليها لصالح تحقيق السلام والامن العالمي,
د, محمد الشومان
أستاذ الإعلام بجامعة عين شمس مدير مكتب الجزيرة بالقاهرة