الرأي العام العربي والخطاب الدعائي لصدام حسين
أوهام وأكاذيب قديمة
د, محمد شومان *
على عادته في الحسابات الخاطئة دعا صدام حسين الشعوب العربية الى الثورة على قادتها!! كما هاجم عدة دول عربية على مواقفها من سياساته الحمقاء,
واعتمد صدام في هجومه الممجوج مجموعة من الاكاذيب والحجج غير المنطقية، فضلا عن التوظيف السياسي والدعائي لبعض آيات القرآن الكريم والاحاديث النبوية، ومثل
هذه الاساليب الدعائية التي حفل بها خطاب صدام الاخير تمثل نوعا من الدعاية التقليدية التي عفا عليها الزمن، واصبحت من كثرة تكرارها، ومحدودية مصداقيتها
نوعا من التحايل الرخيص التي اصبحت الجماهير العربية تجيد تحليله وفهم ابعاده وفضح اهدافه، فالجماهير العربية تراكمت لديها خبرات طويلة وأليمة في التعامل
مع النظام العراقي، وترسخت لديها قناعات ومفاهيم اساسية في التعامل مع صدام حسين واجهزته الدعائية والاعلامية,
ولعل اول هذه القناعات وجود فجوة هائلة بين افكار واحاديث صدام وافعاله في ارض الواقع، والقناعة الثانية عدم مسئولية صدام واستهانته بكل القيم والمعايير
السياسية والاخلاقية التي تحكم العلاقات العربية - العربية، والقناعة الثالثة ان صدام حسين اسس نظاما شموليا يعتمد على قاعدة ضيقة ومحدودة اجتماعيا لكنها
تحتكر مصادر الاكراه المادي والمعنوي وتتوسع في استخدام ابشع وسائل الاكراه والقتل ضد المواطنين,
والقناعة الرابعة ان صدام حسين الذي يترأس النظام العراقي يلعب دورا محوريا في تسيير النظام وتوجيه سياساته الداخلية لصالح الابقاء على وجوده على رأس
النظام وتحقيق اكبر قدر من المصالح المادية والمعنوية له ولافراد اسرته وللقاعدة الضيقة المحيطة به, ويعكس هذا النهج في الحكم انانية مفرطة وعدم مسئولية
واستهانة بمصالح العراق وشعبه في الحاضر والمستقبل، اضافة الى الاستهانة بمصالح الشعوب العربية، وذلك رغم عدم كفاءته، وفشل مغامراته السياسية والعسكرية
وتكرار اخطائه وحساباته,
ولا شك ان القناعات الاربع السابقة تشكل المداخل الاساسية لتعامل الرأي العام العربي مع صدام حسين ونظامه السياسي، بعبارة اخرى فإن المواطن العربي ينظر
الى مواقف صدام حسين وسياسات النظام العراقي ويقيمها في ضوء القناعات الاربع السابقة، والتي تتسم بالترابط والتداخل وتشكل فيما بينها نتيجة بسيطة اصبحت
اقرب الى البديهية وهي عدم الثقة والشك في مواقف وسياسات صدام حسين تجاه شعبه وشعوب المنطقة العربية,
اذا كان الرأي العام العربي يتعامل مع صدام حسين وفق القناعات والمفاهيم الاربعة السابقة فإن هناك صورا ورموزا ارتبطت بشخصية صدام ونهجه في الحكم، ومعظم
هذه الصور ذات مضامين سلبية تدور حول شخصية الحاكم المستبد، المغرور، الاناني القاسي، المخادع، الفاشل، التقليدي العاجز عن التعامل مع المستجدات
العربية والدولية، غير المسئول، ومعظم هذه الصور والرموز تستند الى تاريخ حافل بالاحداث والأدلة والبراهين لما قام به صدام حسين من ممارسات سياسية
وعسكرية تجاه الشعب العراقي والشعوب العربية,
في اطار القناعات والصور والرموز المنتشرة بين اوساط الرأي العام العربي يمكن القول بأن الخطاب الدعائي والسياسي لصدام حسين لا يمثل جديدا يمكن ان يغير
او يعدل من مواقف واتجاهات الرأي العام العربي ازاء صدام حسين ونظامه,
لكن الآلة الدعائية لصدام سعت الى استغلال تعاطف الرأي العام العربي مع الشعب العراقي في مواجهة الضربة الامريكية - البريطانية لصالح النظام العراقي!!،
وعمدت الآلة الدعائية العراقية بقيادة صدام حسين الى خلط الاوراق وتشويه الحقائق، فصورت ان الاحتجاج على توجيه ضربات عسكرية ضد العراق هو نوع من التأييد
والمبايعة لصدام حسين, ومثل هذا التصور لا يعبر كما ذهب بعض الكتاب والصحفيين عن خيال مريض او ضلالات في شخصية صدام بل هو احد الاساليب الدعائية المعروفة
التي تقوم على تعمد خلط الاوراق وتشويه الحقائق بحيث تتغير بعض معالم الواقع الذي تدركه الجماهير، وتتشكل مفاهيم واتجاهات جديدة,
على ان هذا الاسلوب الدعائي يبدو هنا بالغ السذاجة والتسطيح، رغم اعتماده على حقيقة وجود رأي عام عربي متعاطف مع الشعب العراقي ضد الضربات الامريكية
والبريطانية، ذلك ان الرأي العام العربي لم يعبر عن تعاطفه او تأييد صدام حسين ونظامه السياسي والعسكري، بل يمكن القول وكما اشرت في مقال سابق (انظر
الحياة في 1998/12/28م) الى ان الرأي العام العربي عبر عن نفسه بغضب ضد غطرسة القوة الامريكية البريطانية من جهة، وعلى مذلة الضعف والانكسار العراقي
والعربي من جهة اخرى، اي ان الرأي العام العربي تشكل وفق آلية معقدة من مدركات ومشاعر المذلة والانكسار والغضب علاوة على التعاطف مع الشعب العراقي الذي
يتعرض منذ سنوات للحصار والموت، ثم للضربات العسكرية التي تزامنت مع شهر رمضان المبارك,
لم يكن الرأي العام العربي في تعبيره عن نفسه موجها ضد الضربات الامريكية - البريطانية فقط بل كان موجها ايضا الى عجز النظام العراقي وفشله في الادارة
السياسية للأزمة، والحفاظ على مقدرات العراق وارواح مواطنيه، ولعل ما يؤكد ذلك كافة مظاهر واشكال تعبير الرأي العام العربي عن نفسه ازاء عملية ثعلب
الصحراء قد خلت من التعاطف او التأييد لصدام ونظامه، وتركزت على انهاء معاناة الشعب العراقي، والحفاظ على وحدة العراق، كما فرقت بوضوح بين نظام صدام
والشعب العراقي، من جانب آخر حدث نوع من التفاهم والاستيعاب المتبادل بين الرأي العام العربي والحكومات العربية، فلم تحدث مصادمات عنف بين الحكومات
والمتظاهرين، طالبت كما طالبت الحكومات العربية بسرعة ايقاف الضربات العسكرية والبحث عن حل سياسي للأزمة العراقية, ومثل هذا السلوك السياسي يكشف عن قدر
كبير من الاستجابة الواعية والتفاعل الايجابي بين الحكومات وبين الرأي العام العربي ازاء معاناة شعب العراق,
في المقابل لم يستوعب صدام حسين ونظامه ابعاد ودلالات تحركات الرأي العام العربي واهتمامه بانهاء معاناة الشعب العراقي، والعمل بالتالي في اتجاه تحقيق
هذا الهدف، بل على العكس - وكعادته - سعى الى خلط الاوراق وتوظيف الرأي العام العربي المتعاطف مع معاناة الشعب العراقي لصالح الادعاء بان الجماهير
العربية تؤيده، ومن ثم يطالب هذه الجماهير بالثورة على قادتها، أي ان صدام حاول كعادته ادراك تحركات الرأي العام وتوظيفها لمصالحه الذاتية المتمثلة في
الابقاء في السلطة على حساب مصالح شعب العراق والشعوب العربية، من هنا بادر الى فتح حرب دعائية تذكر ببعض حروب الستينات التي فرقت الامة العربية وبددت
كثيرا من طاقاتها لمصالح اعدائها,
إن دعوة صدام الجماهير العربية للثورة على قادتها، وحديث الآلة الدعائية الصدامية عن نهوض جماهيري جديد يمثل:
أولا: محاولة لفرض وصاية مرفوضة على الرأي العام العربي، حتى ان صدام استخدم تعبير الجماهير وليس الرأي العام العربي، وهناك فروق عديدة بينهما لا يتسع
المجال للخوض فيها، لكن تكفي الاشارة الى ان زمن الجماهير التي تساق الى الحروب او المعارك السياسية الداخلية او الخارجية قد انتهى، كما انتهى زمن
الجماهير التي تتحرك كالقطع خلف زعيم ملهم عادة ما يقودها الى كوارث,
اننا نعيش عصر الرأي العام الذي يجب ان يترك حرا، تقدم اليه المعلومات والحقائق، وتتاح له فرص للحوار والنقاش والتعبير عن نفسه دون وصاية,
ثانيا: ان دعوة صدام لجماهير او مواطني دول عربية اخرى للثورة هو نوع من التدخل في الشئون الداخلية لدول اخرى، واذا كانت كارثة غزو الكويت قد عبرت عن
عدم احترام صدام لمبدأ احترام استقلال وسيادة الدول وعدم التدخل في شئونها الداخلية، فإن الدعوة الصدامية تؤكد ان صدام لم يتراجع، ولم يغير فكره ونهجه
الخاطئ والمريض تجاه التعامل مع الدول العربية,
ثالثا: تشتيت للجهود العربية الرامية الى تحقيق المصالحة العربية وتفعيل التضامن العربي لمواجهة التحديات التي تواجه الامة العربية، فالثابت ان حملة صدام
الدعائية ادت الى توتير الاجواء العربية، وجددت مناخ عدم الثقة والاتهامات المتبادلة، وأكدت من جديد عجز صدام عن ترتيب اولوياته السياسية وقدرته الغريبة
على استعداء الشعوب والدول العربية على نظامه المستبد,
خلاصة القول ان الحملة الدعائية الصدامية لاساءة استخدام وتوظيف تعاطف الرأي العام العربي مع شعب العراق لن تنجح في تحقيق اهدافها، فالرأي العام العربي
لديه اتجاهات ثابتة ضد سياسات نظام صدام، ولديه صور وقناعات عن عدم مصداقية صدام واستهانته بمصالح الشعب العراقي والشعوب العربية، من هنا فإن دعوة صدام
للشعوب العربية للثورة على قادتها تؤدي فعليا الى مزيد من الفضح للنظام العراقي لدى الرأي العام العربي، وتأكيد مصداقية الصور السلبية التي يحملها عن صدام
حسين ونهجه في التفكير والعمل,
،* استاذ الإعلام - بجامعة عين شمس خبير الرأي العام


[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved