العفو والوفاء عند عبد العزيز
د, محمد بن سعد الشويعر
من الخصال الحميدة التي مدح الله بها المؤمنين، ووعدهم عليها الأجر الجزيل العفو، عمن بدر منه اساءةو او حصلت منه زلة، سواء أكانت متعمدة أم غير متعمدة،
ولكنها عندما تكون متعمدة وبسابق اصرار فإن العفو عنها يكون اثره أمكن في النفوس، وأبلغ في اسداء المعروف, يقول سبحانه في صفات المسارعين في الخيرات،
الموعودين بجنة عرضها السموات والارض الذين ينفقون في السراء والضراء والكاظمين الغيظ والعافين عن الناس والله يحب المحسنين ]134 آل عمران[,
كما اثنى رسول الله صلى الله عليه وسلم، على من يتخلق بصفة العفو، ويتحلى بها في المواقف الحرجة ليكون عفوه سابقاً لنقمته، وحلمه متقدما على غضبه فينسى
نفسه، وتهون عليه الاساءة او العداوة التي بدرت من شخص عليه، ليقابل الاساءة بالاحسان، والتجهم بالابتسامة وانشراح الصدر,, فيطوق بذلك عنق المسيء بهذا
الخلق النبيل، المستمد من تعاليم الاسلام وصفات رسول الله صلى الله عليه وسلم التي اسر بها أعداءه، فجذبتهم للاسلام بطواعية، وحسن استجابة, يقول سبحانه
آمراً نبيه: خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين ]99 الأعراف[,
وللعفو أثر كبير حيث تتقارب القلوب المتنافرة، وتزول الجفوة، وتتحول الحزازات والعداوات الى مودة ورحمة، كما قال سبحان في مقارنة محسوسة بين حالين
متضادين لا تستويان في الجزاء عند الله ولا تستوي الحسنة ولا السيئة، ادفع بالتي هي احسن، فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم, وما يلقاها الا الذين
صبروا وما يلقاها الا ذو حظ عظيم ]34 - 35 فصلت[,
والملك عبد العزيز الذي حرص منذ ان فكر في استرجاع الرياض وتوحيد الجزيرة العربية تحت راية لا اله الا الله محمد رسول الله كان هدفه ان يطبق هذه الكلمة
التي هي كلمة الاخلاص روحاً ومعنى, فكانت اعماله موفقة ومسيرته يحالفها الانتصار والتوفيق من الله، لأن الله علم منه الصدق، وقد اشهد ربه على ذلك في دعائه
وتبتله معه، كما روى الزركلي قال: اخبرني احد ضباط القصر الملكي قال: رأيت الملك عبد العزيز في الهزيع الاخير من الليل، عند صلاة الفجر يتمسك بأستار
الكعبة ويدعو الله قائلاً: اللهم إن كان في هذا الملك خير لي وللمسلمين فأبقه لي ولأولادي وان كان فيه شر لي وللمسلمين فانزعه مني، ومن أولادي ]3: 1056
شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز للزركلي[,
كما يروي كبار السن من العلماء، ان الملك عبد العزيز بعدما دخل الرياض في صبيحة يوم 5 شوال عام 1319ه ونودي له بالملك، وفد عليه أهل الرياض يبايعونه وفي
مقدمتهم الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، كبير علماء الرياض ذلك الوقت، والذي فيما بعد تزوج عبد العزيز ابنته، فأنجبت له الملك فيصلاً فقال له: خذ عني ثلاث
خصال، فان عملت بها فسوف يمكّن الله ملكك: العفو عند المقدرة، وعدم متابعة المنهزم، وعدم التعرض للرجل المسن والذي لم يرفع السيف عليك والمرأة والطفل او
قطع الاشجار واحراق المزارع، لان هذه ليست خاصة بمن يقاتلك وانما يقتات منها الضعيف والفقير وكبار السن والمرأة والطفل والمسافر والطير والحيوان,
فوعده الملك بذلك وقد بر في جميع اعماله بذلك فحقق الله له التمكن والنصر والف الله القلوب عليه واحبه البعيد قبل القريب,
وقد امتاز الملك عبد العزيز بخصال عديدة في مقدمتها العفو، والوفاء، فهو يهتم بالاستئثار بقلوب خصومه والتغلغل الى السويداء فيها، حيث شهد له بذلك من واقع
الاحداث كل من درس سيرته وتابع مسيرته وتعامله مع الآخرين, وحكاياته في هذا الباب ومواقفه عديدة عند الكاتبين عنه - رحمه الله:
يقول فهد المارك: ذهب فهيد مولى عبد العزيز المتعب الرشيد الى الامام عبد العزيز، بعد ان قتل ابناءَ عبد العزيز المتعب اخوالهُم ومكث عند عبد العزيز مدة
تزيد عن السنة، ولم يعد الى امارة الرشيد الا بعد ان انتهى عهد حكم قتلة ابناء عبد العزيز الرشيد,
وحينما استقر في حائل عائداً من الرياض كان كثير الاطراء والثناء على عبد العزيز آل سعود، بصورة لا مبالاة فيها، شأنه شأن جميع الذين حكمت عليهم ظروف
سياسية باللجوء الى عبد العزيز ثم عادوا الى اميرهم ابن رشيد بعد زوال تلك الظروف,
حدثني سرور العبد العزيز، الصديق الحميم لفهيد والمعروف بصدقه وامانته في نقل الحديث - والحديث لفهد المارك - يقول سرور: انني عندما سمعت فهيداً يطري عبد
العزيز بصورة مستمرة تدعو الى الاعجاب: قلت لفهيد: الا تستطيع ان تعطيني صوة عما تعرفه عن عبد العزيز بن سعود؟ فاجاب بقوله: الصورة التي اقولها لك باختصار
عن عبد العزيز هي انه: رجل تقي عابد، يقوم نصف الليل متهجداً متعبداً ربه، وهو في الوقت ذاته شجاع مقدام، عندما يجد أن لا سبيل للوصول الى غايته الا
الشجاعة وسخي لا يرى للمال اية قيمة في سبيل مجده وعزه، وسمح لين الطباع يعامل بالعفو ما دام العفو يحول دون الانتقام وحازم صارم في بطشه عندما لا يفيد
المعتدي الا العقاب والبطش، ومتحدث مقنع باستطاعته ان يستولي على افئدة السامعين ببيانه الفصيح,
ثم مضى فهيد فقال لرفيقه سرور: ان تلك الاخلاق السامية التي توفرت لعبد العزيز بن سعود، سوف تمكنه من ان ينتصر على امارة آل رشيد طال الزمن او قصر، ويؤكد
الراوي ان فهيداً قال له: والله لم تطب نفسي بأن آتي من عند عبد العزيز، لأنني واثق ان نهاية امارتنا سوف تؤول اليه وانما جئت لأن السبب الذي كان يبرر لي
ذهابي من بلادي زال، فلم يكن لي بعد ذلك اي عذر عند اهل بلادي يبرر لي البقاء عند حاكم، الحرب قائمة بينهم وبينه ]من شيم الملك عبد العزيز ج1 ص 97 - 99[,
ويذكر خير الدين الزركلي نقلاً عن جريدة أم القرى 11 شوال 1347ه: ان رئيساً من شيوخ القبائل وفد على عبد العزيز يظهر طاعته مؤصلة بكرمه على عادته وبينما
الرجل لا يزال في ضيافته وصل الى الملك عبد العزيز كتاب بخط الرجل نفسه، ارسله الى احد خصوم الملك، يذم فيه عبد العزيز ويغري به خصمه، فاستدعاه اليه، فجاء
فسأله: الك شيء طلبته ولم يُقضَ؟ فأجاب: أطال الله بقاءك، حصلت على كل ما طلبت, فقال: وما حملك على كتابة هذا؟ والقى اليه الكتاب فبهت الرجل وقال: يا عبد
العزيز! ما اقول لك إلا ان هذا من عمل الشيطان، واني اتوب الى الله واستغفره، وظهر عليه الاضطراب، فقال له الملك: لا تخف!! قم الى المكتب الديوان واكتب
حاجتك غير التي كتبتها من قبل ولا تعد بعد هذه الى مثلها، فالنفاق يزري بصاحبه ]شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز لخير الدين الزركلي 3: 1055[,
ويذكر عبد المنعم الغلامي في كتابه (الملك الراشد): نماذج من عفو الملك عبد العزيز ووفائه شأنه شأن كل من اعجب بعبد العزيز وكتب عنه يقول: جاء عند عبد
الحميد الخطيب في كتابه: (الامام العادل) امثلة كثيرة عن مبلغ وفائه منها: ان الأمير محمد بن عبد الرحمن شقيق الملك عبد العزيز حج في عام 1334ه مع رهط من
اهل نجد، وعندما بلغوا حدود الحجاز ابى عليهم الملك حسين الدخول الى بلاده بالسلاح فاضطروا الى تسليم سلاحهم، وتركوا بعض اموالهم ورجالهم، ودخلوا الحجاز
محرمين، ومروا في طريقهم بقرية الزيمة وتعرفوا بشيخها عبد الرحيم القناوي، فعرض عليهم مساعدته، واحضر لهم ما يحتاجون اليه من طعام وابل بالثمن فذهبوا الى
الحج وفي عودتهم ايضا اضافهم وقدم لهم جميع التسهيلات اللازمة كما هو شأن العرب ثم انه عندما تم لعبد العزيز ملك الحجاز, ومر بالزيمة في طريقه الى نجد
قابلهم شيخها عبد الرحيم، وعرض عليهم ضيافته، وذكر الأمير محمد لأخيه ما كان من عبد الرحيم هذا في تلك الايام الغابرة التي اضطهدهم فيها الحسين، ولم يجدوا
من يحتفل بهم إذ ذاك سواه، فشكر الملك لعبد الرحيم سابق صنيعه وقبل ضيافته وامر له بمبلغ 25 الف ريال وصارت عادة له في كل عام, ويكون ضيفاً عنده اذا مر،
ولما صار الملك عبد العزيز بعد ذلك يحضر للحجاز بالطائرات كتب اليه الشيخ عبد الرحيم قائلاً: ارجو الا تغيروا عادتكم، فقال الملك: لا بل احضر لي ضيافتك
الى هنا، وامر ان لا تقطع عادته وان يصرف المبلغ المذكور للشيخ عبد الرحيم القناوي وصارت عادة سنوية جارية الى ما شاء الله ]الملك الراشد 339 - 340[,
ونماذج وفائه كثيرة جداً، واكثر منها الحالات التي برز فيها عفوه عند المقدرة، حيث تحدث فهد المارك في اكثر من مائة صفحة عن نماذج من عفو عبد العزيز عن
اناس كانوا ضده ثم لما استولى على ديارهم ملك قلوبهم بعفوه وصفحه، كما ذكر نماذج اخرى عبد الله الزامل في كتابه: (اصدق البنود في سيرة الملك عبد العزيز
السعود) ومن ذلك حكاية إبراهيم الطاسان الذي كان قائدا لقلعة ينبع وحاميتها، ولم يستسلم لجيش عبد العزيز الا بعد مقاومة عنيفة اضطر بعدها للاستسلام وبعد
سقوط جدة دخل على الملك عبد العزيز وهو في مكة مستسلماً فما كان منه الا ان امّنه وطيب نفسه ثم عينه في منصب كبير في الجيش السعودي عند بدء تنظيمه، واستمر
على مكانته معززاً مكرماً حتى توفي,
وخير الدين ايضا اورد نماذج وغيرهم من كل من كتب عن الملك عبد العزيز، وعبد المنعم الغلامي وهو من سوريا كان من المعجبين بعفو عبد العزيز فقال في مدخل
حديثه عن العفو: كان الملك عبد العزيز معروفاً بشيمة العفو عند المقدرة، وكانت هذه عادته الملازمة له منذ فجر حياته فلم يشذ عنها حتى توفاه الله فلقد عفا
عن اناس كانوا قد ناصبوه العداء مدة طويلة وانتقضوا عليه غير مرة، واضمروا الشر لمملكته في كثير من المواقف فكان ادنى عمل من تلك الأعمال كافياً لانزال
اشد العقوبات بحقهم ولكنه كان يسدل ستار الصفح عنهم عندما يقعون بقبضته، او يظهرون ندمهم وينزلون على حكمه وفوق ذلك فإنه كان يكرم مثواهم ويهيىء لهم
مساكنهم ويجري عليهم المال الوفير، وتحدث عن هذا في الصفحات 35، 58، 63، 68، 88، 336، 337، 338، من كتابه هذا، وأورد إجمالاً لعفوه فقال: وثمة مسألة اخرى
وهي ان جلالته كان قد اعطى عند فتحه مدينة حائل، وثائق الأمان للذين يسكنون اطرافها تطميناً لهم، وإعلاماً بالحقيقة الواقعة بأن جميع رعايا المملكة
متساوون عنده في الحقوق لا فرق هناك بين مذهب ومذهب، وبين جنس وجنس, ثم قال:
اما عفوه عن الأمير حسن بن عايض وابن عمه محمد اللذين ثارا على جلالته في العسير، وعفوه عن فيصل الدويش وسلطان بن بجاد وفرحان بن مشهور ومن لف لفهم، من
رؤساء القبائل الذين كانوا قد ثاروا غير مرة، واعلنوا التمرد في نجد وكذلك عفوه عن السادة الأدارسة في تهامة عسير وموقفه السمح مع الإمام يحيى بعد ان
اكتسحت قواته بلاد اليمن وغير ذلك فهو عفو يمثل الخلق الرفيع والكرم الاصيل في نفسه ]الملك الراشد للغلامي ص 337[,
ابن عباس والحطيئة:جاء في كتاب الاغاني لأبي الفرج: ان ابن عباس كان يوماً جالسا في مجلس رسول الله بعدما كفّ بصره وحوله ناس من قريش، اذ اقبل اعرابي يخطر
وعليه مطرف وجبة، وعمامة خزّ حتى سلم على القوم فردوا عليه السلام فقال: يا ابن عم رسول الله افتني, قال: فيم؟ قال: اتخاف عليّ جُناحاً ان ظلمني رجل
فظلمته وشتمني فشتمته، وقصّر بي فقصّرت به؟ قال: العفو خير ومن انتصر فلا جُناح عليه, فقال: يا ابن عم رسول اله ارأيت امرأ اتاني فوعدني وغرّني ومنّاني،
ثم اخلفني واستخف بحرمتي ايسعني ان اهجوه؟ قال: لا يصلح الهجاء لانه لا بد لك من ان تهجو غيره من عشيرته، فتظلم من لم يظلمك، وتشتم من لم يشتمك، وتبغي على
من لم يبغ عليك، والبغي مرتعه وخيم، وفي العفو ما قد علمت من الفضل, قال: صدقت وبررت,
فلم يبرح مكانه حتى جاء عبد الرحمن بن سيحان المحاربى حليف قريش فلما رأى الأعرابي أجله واعظمه في مسألته وقال: قرب الله دارك يا ابا مليكة, فقال ابن
عباس: اجرول؟ قال: نعم فاذا هو الحطيئة فقال ابن عباس: لله انت أي حجر يرمى به، وزائد عن عشيرة,, انت يا ابا مليكة: والله لو كنت عركت بجنبك بعض ما كرهت
من امر الزبرقان لكان خيراً لك، ولقد ظلمتَ من قومه من لم يظلمك وشتمت من لم يشتمك، قال: اني والله بهم يا ابا العباس لعالم, قال: ما انت بأعلم بهم من
غيرك, قال: بلى والله، يرحمك الله ثم انشأ يقول
انا ابن بجدتهم علماً وتجربة
فسل بسعد تجدني اعلم الناس
سعد بن زيد كثير ان عددتهمُ
ورأس سعد بن زيد آل شماس
فقال ابن عباس أقسمت عليك الا تقول الا خيراً, قال: افعل ثم قال ابن عباس: يا ابا مليكة من اشعر الناس؟ قال: أمن الماضين ام من الباقين؟ قال: من الماضين
قال الذي يقول
ومن يجعل المعروف من دون عرضه
يفرهُ ومن لا يتق الشر يشتم
وما بدونه الذي يقول:
ولست بمستبق اخاً لا تلمّه
على شعث اي الرجل المهذب
ولكن الضراعة افسدته كما افسدت جرولاً، يعني نفسه، والله يا ابن عم رسول الله لولا الطمع والجشع لكنت اشعر الماضين فأما الباقون فلا نشك اني اشعرهم
وأصردهم سهماً اذا رميت, ]2: 162[,


[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved