الملك عبد العزيز والصبر مع الحكمة
د, محمد بن سعد الشويعر
اذا كان المثل الانجليزي يقول: بالصبر يحمل الماء في الشبكة، ومع الصبر تحفر البئر بالابرة، فان تعاليم دين الاسلام امكن في الحث على الصبر والدعوة اليه،
مع الجزاء الوافر لمن تحلى به يقول سبحانه: انما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب ]10 الزمر[ ولمكانة الصبر عند الله فقد جاء ذكره في القرآن الكريم اكثر من
مائة مرة,
ولما كانت تربية عبد العزيز تربية دينية، فإنه قد حرص في مبدأ حياته ان يدرس من تعاليم الدين، ما جاء في القرآن الكريم، وفي سنة رسوله صلى الله عليه وسلم
من حثٍّ على الصبر، وتعوّد عليه، وتعريف بفوائده، على ايدي من درس عندهم في صباه في الرياض: معلم الكتاب، ثم العلماء الذين حرص والده الامام عبد الرحمن
على ان يأخذ عنهم ما تيسر من دروس في الفقه والتفسير والتوحيد والعقائد,
وقد مكن ذلك ما يزوده والده ووالدته من نصائح وتوجيهات نتيجة التجربة حيث تصبح تلك التوجيهات دروساً ترسخ ما اخذه عن معلميه فيقترن الدرس النظري المقرون
بالنصوص الشرعية بالنصائح العلمية، التي هي وليدة التجربة، وثمار الجهد بالعمل,
وبعدما ان نما جسم عبد العزيز وبدأ يشرف على سن الشباب، كانت الحياة المحيطة به قاسية، فقد خرج والده عام 1309ه من الرياض بعد ان ظهر امامه ان حياته فيها،
في ظل حكام كانوا بالأمس عمالا لوالده الامام فيصل بن تركي صعبة ان لم تكن مستحيلة فقرر مغادرتها حتى يأذن الله بالفرج من عنده، وترك وراءه كل ما يملك,
ومع قبائل المرة في الربع الخالي حيث صعوبة المعيشة، وقلة المياه الصالحة للشرب، عاش الامام عبد الرحمن ومعه ابناه عبد العزيز ومحمد، وجمع من خواص الاسرة
اشهراً اخذ فيها دروساً في الصبر والعزم، وتعلم خلالها ومن واقع الايام الشديدة التي استقبل فيها زهرة شبابه الأناة والحكمة في كيفية التحمل والثبات امام
الشدائد,, ذلك ان الحكمة في معالجة الأمور تقترن بالصبر والصبر هو المطية التي تتذلل بها الصعاب وتنقاد بها الآمال,,
فخشونة الصحراء، وشدة الحياة فيها، تعوِّد ساكنيها الانصهار في بيئتها والتأقلم مع وضعها في التحمل والمعيشة وفي قسوة البأس والصبر وفي النظرة للأمور
بميزان الحكمة والتأني,
روى محمد علي رفاعي في كتابه: رجال ومواقف نقلاً عن المستر داكوبر شافون ميكوش في كتابه عبد العزيز الذي ترجمه الدكتور امين رويحة: ان عبد العزيز كان يحدث
وهو في الكويت عن الايام السوداء التي قضاها في بادية المرة، مع اسرته مزهواً مبتهجاً، وكان سامعوه من الكويتيين يبتسمون ابتسامات الاعجاب والتعجب وهم
يستمعون اليه، ومن ذلك قوله: انه اضطر الى المساهمة في عملية جراحية خطرة لواحد من افراد هذه القبيلة - المرة - اثر اصابته برمح في معدته، فأرسلوا بضعة
رجال يبحثون في الصحراء عن نوع كبير من النمل له فكان غليظان فعادوا ومعهم نحو ثلاثين نملة، وشرع الجراح العجوز في اجراء العملية، بعدما مدد الجريح على
الرمال، حتى لا تبدو منه حركة ما، ثم أذابوا كمية من زبد الجمل - لعله يعني الناقة - في وعاء اضرمت تحته النار، وكشف الجراح عن موضع الاصابة وهو يتمتم
ببعض الأدعية، بينما كان على عبد العزيز ان يطرد الذباب بقطعة من الجلد يلوّح بها في الهواء باستمرار وكان على اخيه محمد وعلى ابن جلوي ان يمسكا بالجريح
الذي كان يتلوى من الألم، دون ان تصدر عنه آهة او أنة اما الجراح فقد صب بعض الزبد المغلي على الجرح ثم شق بطن الجريح بطعنة واحدة ومد يده فأخرج المعدة من
جوفه، وناولها لعبد العزيز الذي كان عليه في الوقت نفسه ان يضغط على طرفي الجرح ليقرب بينهما بينما كان آخر يقدم الى الجراح نملة بعد اخرى، يجعل كل واحدة
منها تعض طرفي الجرح بفكيها, ثم يهرس جسمها بابهامه فيظل الفكان والرأس ضاغطة على الطرفين، وعندئذ تبدأ عملية الخياطة في الجرح الى ان تنتهي فيقفل جدار
البطن ببعض الأشواك الكبيرة ويصب الزبد فوقه من جديد ثم يضمده بقطعة من القماش، وقد شفي المصاب تماماً بعد اسابيع واصبح فيما بعد من اتباع عبد العزيز
ورئيساً لحرسه الخاص ]15 رجال ومواقف[,
وعبد العزيز عندما تعلم دروسا من المواقف التي تمر به، كما في مشاهدته ومشاركته للموقف الآنف الذكر، فان للصبر عنده مسارب متعددة فهو يصبر على الجوع
والعطش ويصبر عن النوم والراحة ويصبر على الشدائد وملاقاة الرجال في المعارك ويصبر على ما يمر به من مواقف مع الآخرين، هذا علاوة على صبره وتحمله لما يقع
عليه من اصابات جسمانية في المعارك التي خاضها وعدم التضعضع واظهار التألم امام الآخرين ويتمثل في المواقف المدلهمة بما تمثل به معاوية بن ابي سفيان رضي
الله عنه مع خصومه كما قال الشاعر:
وتجلدي للشامتين اريهمو
اني لريب الدهر لا اتضعضع
فقد تحدث الزركلي وغيره عن مواقف عديدة ظهر فيها جلد عبد العزيز وقوة صبره، وحكمته في معالجة المواقف التي تبرز مكانته وما وهبه الله من عزيمة تعينه على
تحويل الأمور الى صالحه، وعدم اظهار نقاط ضعف يسترُّ بها العدو ويتقوى معها الخصم يقول الزركلي بعد ان ذكر مواقف برزت فيها شجاعته ووقائع تحولت معها
الهزائم الى نصر، حيث يعتقد بعض الناس ان الملك قد اوصله الحظ والطريق الممهد بالزهور الى ما وصل اليه ولكن الواقع كما ذكر الدارسون لمسيرة عبد العزيز -
رحمه الله - وما مر به من شدائد وصعاب عالجها بعد توفيق الله بالحكمة والصبر: فقد كانت حياته كلها متاعب مريرة وآلاما لا يستطيع تحملها ولا يصبر على
معاناة صعوبتها الا القلائل من الرجال كما قيل
لا تحسب المجد تمراً أنت آكله
لن تبلغ المجد حتى تلعق الصبرا
يقول الزركلي: وهذا بعض ما عاناه الملك عبد العزيز من الاصابات الجسمانية في خلال المعارك التي خاضها فقد كان في جسمه رحمه الله كثير من الجراح: ففي وقعة
كنزان بينه وبين العجمان هاجمهم في الليل وقد انهزم جنده وانهزم هو مع الجند، وفي اثناء سيره لحق به اثنان من خدم اخيه سعد، كانا مرافقين لأخيه، فسألهما
عن سعد فقالا: قتل, فقال: انا اخو نورة، سعد لم يقتل، اصيب وتركتموه وانهزمتم وانا يجب علي ان ارجع له فقالوا له: يا عبد العزيز ان الاعداء كانوا قابضين
على زمام فرسه وقتلوه ونحن ننظر اليه,
ولكنه عاد، والعجمان لما عرفوا شخصية سعد قالوا: عبد العزيز لن يترك سعداً وسوف يعود اليه, فتركوه ملقى على ارض المعركة وكمنوا حوله، ينظرون قدوم عبد
العزيز فلما رأى عبد العزيز بياض ثياب سعد في الليل نزل عن فرسه وحمله وصار يقبله فأطلقوا النار عليه فأصابت رصاصة حزامه، وثارت فيه خمس رصاصات وفتحت جنبه
من جهة الكلية فأخذ غترته وحزم بها الجرح ولم يعلم الخيالة المرافقون له باصابته الا في الصباح عندما رأوا الدم فسألوه فقال: مخش بسيط في فخدي في الجلد,
فلما وصل لنخل القصيبي في ضواحي الحسا، بعث خيالاً ليأتي له بملابس وقماش شاش واستدعى سلطان الجبر وسعد الماجد وكانا معه ونزل في ساقية الماء وقال لهما:
سأريكما اصابتي ولكن لو علم بها احد قتلتكما,
ثم قال الزركلي: وقد سمعت من الاثنين عنه عندما فك الغترة وجد انه مفتوح في جنبه جرح حوالي 15 سنتميترا وكان الشحم على المصارين وكأنها حجر المرو، فأعاد
المصارين والشحم وربط الشاش على الاصابة ولم يكن هناك اطباء، وغيّر ملابسه وركب فرسه ودخل الاحساء وجلس في القصر مباشرة فكل من عاد من المهزومين وهو سامع
بمقتل عبد العزيز او اصابته وجده جالساً وكانت اجابته على اسئلتهم ان الاصابة بسيطة في جلد الفخذ,, وقد خطب في تلك الليلة امرأة في الاحساء وتزوج ولم يكن
ذلك رغبة منه في الزواج ولكن لإيهام اعوانه ان اصابته خفيفة وللتضليل امام اعدائه,
ثم ذكر موقفاً آخر ايضا فقال: وقد دامت معاركه مع العجمان حوالي ستة اشهر، لم يترك الاحساء، وقد مرت حادثة مماثلة في اثناء المعارك، ففي يوم من الايام كان
جالساً وكان عنده فيصل الدويش وفيصل بن حشر وهباش بن هرشان، فتسلق احد افراد العجمان نخلة واطلق النار عليه فلما احسوا بوقع الرصاصة بينهم قال الدويش: اخو
جوزا,, هل انت سالم يا عبد العزيز؟ قال عبد العزيز: انا سالم والحمدلله ولكن هل انتم سالمون؟ ولم يتزحزح عن محله,
وبعد قليل قال للجند المحيطين به ابتعدوا فاني اريد ان اختصر بالجماعة فلما ابتعد الجند قال لهم الملك عبد العزيز: الرصاصة اصابتني في فخذي ولكني ان شاء
الله سليم، فانا سأستند عليكم بحجة ان رجلي تخدرت من الجلوس الى ان ادخل الخيمة وانت يا هباش بن هرشان، احمل المفرشة لئلا يرى الجند فيها الدم,
ودخل الخيمة وغيّر ملابسه، وكانت الرصاصة مخترقة الفخذ، وحشا موضع الاصابة بالصبر وحزمها وغيّر ملابسه وخرج على الجند وقال: ما رأيكم في الذهاب لابن صباح
نتقهوى عنده؟ ومشى على رجليه وشفي من اصابته ولم يعلم احد من الجند انه مصاب ]شبه الجزيرة في عهد الملك عبد العزيز للزركلي 3: 923 - 924[,
وقد ذكر الملك فيصل رحمه الله في حديث له نشر عام 1367ه الموافق 1948م يصف والده الملك عبد العزيز بدأه بقوله: ليس من اليسير ان اتحدث عن والدي كملك لأن
ذلك من حق التاريخ وحده، وربما كان غيري اقدر مني على انصاف رجل عظيم مثله، بنى ملكاً بعصا ميتة،وحفظ للعرب تراثاً مجيداً في البلاد المقدسة، واقام الأمن
والنظام في بقاع كانت تسودها الفوضى، ويهددها الخوف في طرقها وارجائها وتتألف من مقاطعات وامارات وقبائل شتى في مساحات واسعة غير انني استطيع ان اذكر بعض
مزاياه التي هيأت له ان يبني هذا الملك وان يشيد هذا الملك والسلطان الى غايته ولم تصرفه عن تحقيق اهدافه,
واولى هذه المزايا التي يتصف بها والدي قوة الايمان فما رأيته منذ ان نشأت قد ضعف ايمانه بالله او تخلى عن ثقته بنصر الله,, ثم تحدث عن هذا الايمان ونماذج
منها وقال:
وثانية هذه المزايا التي يتسم بها جلالته قوة ارادته وشجاعته التي تبرز في احرج المواقف وادق الظروف واذكر على سبيل المثال انه كان في موقعة تدعى موقعة
الحريق ، فدارت الدائرة اثناء القتال على جيشه وهمّ الجنود بالفرار، فبرز في مقدمة الصفوف ممتطياً جواده ومتقلداً سيفه ونادى: ايها الاخوان من كان يحب عبد
العزيز فليتقدم ومن كان يؤثر الراحة والعافية فليذهب الى اهله، فوالله لن ابرح هذا المكان حتى ابلغ النصر او اموت، فسرت الحماسة والحمية في نفوس الجند
وعادوا فشدوا على اعدائهم وكان لهم الفوز,, ثم ذكر وقائعه مع العجمان وما حصل له - رحمه الله - من اصابات جرى ذكرها آنفاً,
بعد ذلك قال: وثالثة هذه المزايا حكمته واناته في معالجته لأمور دولته وهو يتوخى حل المشاكل بالسلم أولاً، كما انه متسامح مع خصومه واسع الصدر لا يدخر
وسعاً في استخدام المرونة ووسائل اللين ولا يلجأ الى الشدة حتى يستنفد هذه الوسائل,
واذكر - والكلام لا زال للملك فيصل رحمه الله -: انه لما وقع الخلاف بينه وبين الامام يحيى امام اليمن السابق لم يتعجل الشدة وجعل يحاول حل ما وقع بينهما
من خلاف باللين والحلم حتى كدنا نحن ابناءه ورجال دولته ان نرميه بالضعف فلم يعبأ بنا، وسار في طريقه الى الحد الذي لا ملام عنده للائم، ثم اضطر الى السيف
اضطراراً,, وعندما توسط سادة من العرب بين الملكين كان سريعاً الى الكف عن القتال,
وقد تم بفضل سياسة الحكمة والحزم التي يسير عليها في ادارته للبلاد الواسعة اقرار الأمن فيها على منوال غير معروف في اكثر البلاد حضارة ومدنية، فاطمأن
الناس على ارواحهم واموالهم حتى ندر وقوع الحوادث العادية والفضل في ذلك لله ثم الى يقظته الزائدة واخذه المجرمين بالشدة ]شبه الجزيرة في عهد الملك عبد
العزيز للزركلي: 21 - 23[,
وقد كان تركي بن محمد الماضي ممن اشاد بمواقف الملك عبد العزيز، وصبره وحكمته في معالجة الأمور في اليمن ومع الادارسة وغيرهم ممن نوه تركي عنهم في
مذكراته التي طبعت عام 1417ه، حيث كان رسولاً يحمل الرسائل إلى اليمن ويتفاوض مع الامام يحيى في معالجة الأمور، التي أظهرت جلد الملك عبد العزيز وبعد
نظرته للأمور وصبره،مع حكمته في معالجتها، كما نوه الملك فيصل رحمه الله في حديثه,
مقتل مصعب بن الزبير:
ذكر ابو الفرج الأصفهاني في كتابه الأغاني: ان شيخا من اهل مكة قال: لما اتى عبد الله بن الزبير خبر مقتل اخيه مصعب، اضرب عن ذكره اياماً حتى تحدثت به
اماء مكة في الطرق ثم صعد المنبر فجلس عليه ملياً لا يتكلم فنظرت اليه والكآبة على وجهه وجبينه يرشح عرقاً,, فقلت لآخر كان الى جنبي: ما له لا يتكلم,
اتراه يهاب المنطق, فوالله انه لخطيب فما تراه يهاب, قال: اراه يذكر قتل مصعب سيد العرب، وهو بفظيع تذكره غير ملوم، فاذا هو يتكلم فقال: الحمدلله الذي له
الخلق والامر، وملك الدنيا والآخرة، يعز من يشاء ويذل من يشاء الا انه لم يذل - والله - من كان الحق معه وان كان مفردا ضعيفا، ولم يعز من كان الباطل معه،
وان كان في العدة والعدد والكثرة, ثم قال: انه قد اتانا خبر من العراق بلد الغدر والشقاق فساءنا وسرنا: اتانا ان مصعبا قتل - رحمة الله عليه ومغفرته -
فأما الذي احزننا من ذلك فان لفراق الحميم لذعة يجدها حميمه عند المصيبة ثم يرعوي من بعدُ ذو الرأي والدين، الى جميل الصبر، واما الذي سرنا منه فانا قد
علمنا ان قتله شهادة له وان الله عز وجل جاعل ذلك لنا وله خيرة ان شاء الله تعالى,
ان اهل العراق اسلموه وباعوه بأقل ثمن، لقد قتل ابوه وعمه، واخوه، وكانوا من خيار الصالحين، وإنا والله اهل بيت ما نموت حتف انوفنا، ما نموت الا قتلا:
قعصاً بالرماح - القعص من يقتل مكانه - وتحت ظلال السيوف, وليس كما يموت بنو مروان - يريد خلفاء بني امية من اولاد مروان بن الحكم - والله ما قتل منهم رجل
في جاهلية، ولا اسلام قط، وانما الدنيا عارية من الملك القهّار الذي لا يزول سلطانه، ولا يبيد ملكه فان تقبل الدنيا علي لا آخذها اخذ الاشر البطر وان تدبر
عني لا ابكي بكاء المهتر - يعني بذلك الذي فقد عقله من الكبر او المرض او الحزن - ثم نزل فتعجب الناس من بلاغته وحسن ايجازه ]الأغاني 17 : 166[,


[تعريف بنا] [للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [البحث] [خدمة الإنترنت] [المسائية] [الجزيرة] [موقعنا]

أي إستفسارات أو إقتراحات إتصل علىMIS@al-jazirah.comعناية م.عبداللطيف العتيق
Copyright, 1997 - 2000 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved