Saturday 30th November,200211020العددالسبت 25 ,رمضان 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

الاقليمية والمحلية في العمارة الاقليمية والمحلية في العمارة
وليد أحمد السيد *

  تثار مسألة الاقليمية والمحلية في الأوساط المعمارية وترتبط غالبا بمسألة مصاحبة متعلقة هي الهوية، بل لعل من الأصح القول ان هاتين المسألتين تطرحان ضمن إطار الهوية وفي معرض التساؤلات التي تستثيرها مسألة الهوية وفي حال طرحها كمشكلة.
وقد برزت قضايا المحلية والاقليمية في العمارة العربية مع مطلع السبعينيات من القرن العشرين وطرحت كمسألة جادة نظرياً على يد معماريين أمثال حسن فتحي ورفعت الجادرجي ومن خلال طروحاتهم ومشاريعهم المختلفة التي بدأت تمتد خارج حدود نطاق منطقة جغرافية معينة.
وبمعرض البحث في هاتين المسألتين يبرز التساؤل: ما هي أهمية التمييز بينهما وما هو انعكاس ذلك على العمارة فهماً وتطبيقاً؟.
في الحقيقة وقبل ان نحاول الإجابة المباشرة على هذا التساؤل، من المفيد التعريج قليلا على تعريف هذين المفهومين وما يقصد بهما، ومن ثم عرض المواقف تجاه هاتين المسألتين لنتبين أهمية التساؤل وانعكاسه في العمارة العربية المعاصرة.
من الملاحظ ان الفئة التي تتبنى البحث في موضوع الاقليمية والمحلية هي التي تعنى بمفهوم العمارة البيئية في الوقت ذاته، وذلك للعلاقة الوطيدة أو الخط القوي الذي يربط المفاهيم الثلاثة ببعضها وهي البيئة ثوابتها ومتغيراتها.
ومن هنا فلإدراك مفهوم الاقليمية ينبغي التطرق لإثارة نقاط مرتبطة بالمناخ والعوامل الجيولوجية والطبوغرافية والانشائية كمواد البناء، وتبعا لذلك يمكن رؤية الاقليمية والمحلية على انهما طرفي معادلة يقعان على نقيضين، بيد انهما في نفس الوقت متداخلين.
وبكلمات أخرى فهناك الخط الرفيع العام الذي يربط بين المحلية والاقليمية من نواحي بيئية عامة. الا ان الاقليمية أشمل من الأخرى في التعبير عن بقعة جغرافية أوسع بما فيها من عوامل ومؤثرات بيئية ومناخية وديموغرافية واجتماعية وغيرها. وبوضع هذه القواعد العامة في التمييز بين المفهومين، يمكن تبين معسكرين بين الباحثين النظريين في مفهوم العمارة، وبالذات العمارة العربية المعاصرة وضمن بوتقة الهوية بالذات، اذ فيما تنحو الفئة الأولى إلى اعتبار ان الخط الذي يربط المحلية عبر المناطق المتباعدة هو خط قوي لدرجة إذابة الفوارق الجزئية بين الأقاليم لتنزع وتميل نحو «الاقليم الواحد»، تخالف الفئة الثانية هذه الفكرة باعتقاد العكس، أي ان الخط الذي يربط الاقليمية هو من الضعف بمكان ان الإقليم الواحد ينزع ليتجزأ لمجموعات من «الأقاليم» أو المناطق المحلية التي تختلف جغرافياً وبيئياً. ومن هنا وبادراك هذه النظرات المتباينة بين الفريقين يمكن لنا ان نتبين ما تعنيه هاتين الكلمتين في العمارة، وبالذات في العمارة العربية المعاصرة وضمن مشكلة متعلقة بالهوية والعودة للتراث.
ولإعطاء المداخلة بعداً آخر، نلقي الضوء على الطرف الثالث، أو الرابع، في هذه المعادلة وهو البيئية أوVernacularism، والتي يمكن النظر إليها على انه الخلفية أو الأرضية التي تتحرك عليها الاقليمية والمحلية. والبيئية تعني ببساطة شديدة الوجه الطبيعي للعمارة بدون المعماري، أو بكلمات أخرى هي عملية البناء الطبيعية التي تستخدم المقدرات والموارد الطبيعية المتاحة دون اللجوء للوسائل العلمية أو التخطيطية المعقدة أو المعدة مسبقاً والتي يلجأ إليها المعماريون قبل إنشاء عمارتهم، أو هي عملية البناء كمرحلية وآلية طبيعية من ألفها إلى يائها، وهي آلية وليست ناتجا فحسب، فيما قد تكون العمارة ناتجاً وليست آلية.
وبالنظر إلى فكرة البيئية كآلية فقد برزت المشكلة في غياب الوسائل الطبيعية مع غياب المواد المحلية للبناء والتي تتطلب الخبرات والأعراف البنائية المتوارثة. وبمعنى آخر فإن تعقد العملية البنائية المعاصرة التي اعتمدت المواد المستوردة كالحديد والخرسانة والزجاج ضمن تصميمات المعماريين المعاصرين لم تؤد إلى إيجاد أنماط جديدة من العمارة بل حيدت العمارة الفطرية الناتجة بفعل البيئية كآلية وكناتج، ونجم عن ذلك النزعة باتجاه الاقليمية التي تفرضها وحدة المواد والعناصر الأخرى المستعملة والتي لا تمتد فقط خارج حدود الاقليم بل ويمكن ان تمتد لتشمل أقاليم متباعدة أخرى جغرافياً وثقافياً وحضارياً، وهنا تبرز مشكلة الهوية.
وكما نرى تبدو المشكلة متعددة الجوانب ومرتبطة ومتداخلة بين هذه المفاهيم جميعها. ولتقريب المسألة لأذهان بعض القراء الكرام الذين قد يضجرون من النظريات، نقول ان النزعة للاقليمية على حساب المحلية تؤدي للأنماط المعمارية التي تصلح لكل مكان رغم خصوصية المنطقة الجغرافية، وبذلك ترتبط المحلية بالبيئية بشكل أكثر تفصيلا مما هو عليه الحال في الاقليمية، أي ان البيت مثلا الذي يبنى في اليمن له خصوصية متعلقة بطبيعة المنطقة التي يبني فيها تبعا للعوامل والأعراف الإجتماعية السائدة ومواد البناء وغيرها.
ونتوقع تبعا لذلك ان يختلف عن مناطق أخرى مجاورة ليس تشكيلياً أو زخرفياً فحسب بل ومن ناحية تركيبية بنائية. وكذلك الحال نتوقع وجود فوارق يعتمد مقدارها على مقدار اختلاف العوامل بين البيت في اليمن وذلك في سوريا أو العراق وهكذا، ولا يعني ذلك البتة انه لا يوجد تشابه بينها، بل على العكس نتوقع في الوقت ذاته وجود خيط رفيع يربط هذه البيوت جميعها بما يحقق كونها «عربية» تنتمي لذات الثقافة والحضارة، وهو ما نعنيه بالهوية، ولذلك فالهوية لا تطرح ضن الأقاليم من ذات الثقافة الواحدة، انما هي مشكلة في حال تداخل الثقافات أو استجلاب مفاهيم وأنماط ومؤثرات من ثقافات أخرى.
ومن الملاحظ انه من النادر ان نرى في العمارة العربية المعاصرة أوجهاً من التركيز على الآلية في البناء دون الناتج، الا فيما نرى من جهود المعماري حسن فتحي في محاولاته لإرساء العلاقة بين الثالوث المعماري والبناء ومواد البناء. الا ان المزلق الذي قد يحدث هو إبراز مجموعة من العناصر والمفردات المعمارية على انها «وصفات جاهزة» يمكن تطبيقها واستخدامها في أكثر من بقعة جغرافية رغم تباين العوامل المحلية بها.
وبشكل عام يراوح المعماريون المعاصرون بين آفة التقليد الحرفي ونقل مفردات عبر أقطار مختلفة من العالم العربي وبين محاولة استنباط مجموعات من الحلول التي تنتمي للاقليم المصغر والموقع المحلي، وهي عملية شاقة تتطلب الدراسة والبحث الجاد والمسبق قبل عملية التصميم وإبراز الحل المعماري.
ويبقى المعماريون بين مد وجزر بين هذين القطبين ويظل المكان والزمان خاضعين لمحاولات المعماريين البحث عن صيغة ولغة معمارية ملائمة تمثلهما بشكل صادق.

*دكتوراه نظرية العمارة/جامعة لندن

 


[للاتصال بنا][الإعلانات][الاشتراكات][الأرشيف][الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الىchief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الىadmin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved