Monday 13th May,2002 10819العدد الأثنين 1 ,ربيع الاول 1423

     أول صحيفة سعودية تصدرعلى شبكة الانترنت

 

لقد ترك كل شئ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!! لقد ترك كل شئ ‍‍‍‍‍‍‍‍‍!!
تركي بن منصور التركي

لو منح أحدنا نفسه فرصة للاسترخاء والتأمل بهدوء في وضعه الحالي، وطلب منه أن يرسم لنفسه أفضل حال ينشدها، ما هي الأشياء التي يرى أنه يفتقدها؟ ليتصوّر لبرهة أن مصباح علاء الدين السحري الذي داعب أجفاننا حينما كنا صغارا أصبح في يده بالفعل، وأن ما سيتمناه من مال وجاه وسلطة سيصبح في متناوله بلمح البصر، لو سأل كل منا نفسه هذا السؤال؟ ماذا أود أن أكون؟ وما هي المقومات التي أشعر معها بالسعادة الغامرة وأنه لا ينقصني شيء؟
كثيرون سيجيبون بأن المال هو عصب الحياة وأنه السر الوحيد الذي تتفتح له الصعاب، وآخرون ربما سيبحثون عن الزوجة أو الولد أو التميز العملي رقيا في الوظيفة وتقلدا للمناصب، أو ربما أن يكون لاعب كرة مشهور يشار إليه بالبنان، في الغالب الأعم لن تخرج رغباتنا عن هذه مع ما سيضاف إليها من أمور معنوية تزيد من إيماننا بخالقنا وإتقان عبادتنا له.
لكن ماذا لو قلبنا الأمر بدرجة شبه كاملة؟ ماذا لو قدرنا أنك الآن مسجى على لوح خشبي متحرك، يحملك جمع من أبنائك وإخوانك وأفراد أسرتك حيث مثواك الأخير في الدنيا؟ أنت تغادر هذه الدنيا بما فيها من مغريات ومصاعب، ستترك خلفك الزوجة والأبناء ورصيداً كبيراً من العلاقات التي تتنوَّع بتنوّع محطات حياتك ما بين زملاء عمل ودراسة ورفقة طريق، هنا بالتأكيد أن أموالك التي حلمت بها في المرة الأولى لن تكون ذات جدوى أو فائدة لأنها ستنتقل لغيرك!
تصور أن الذين حضروا جنازتك وقفوا لرثائك بكلمات صادقة يقول بها كل ممن عملت لهم ومعهم في هذه الحياة؟ إن أقرب الناس إلى نفسك ولا شك هم فلذة كبدك.. أبناؤك، لتبدأ بهم، ماذا تريد منهم أن يقولوا عنك صدقا ويقينا.. يقولونه في سرائرهم قبل أن تنطق به ألسنتهم، تذكر أنك كنت تمارس دورالرقيب على تصرفاتهم. وأنك كنت قائد سفينتهم في الحياة، كنت«ترى» أن هذا صواب وذاك خطأ وعلى ضوء ذلك كنت توجه وتأمر.. فلا يملكون إلا أن يسمعوا!! لكن هل هذا السماع كان عن يقين وثقة بما تقول؟ أم هي سلطة تفرضها بحكم قوتك ونفوذك عليهم؟
ماذا تود أن يذكرك به أبناؤك؟ خذ نفسا عميقا وابحث في داخلك عن إجابة لهذا السؤال، وافعل ذلك مع زوجتك.. هل كنت مثالا للزوج الرائع الذي يفتقد ولا يعوَّض؟ هل أغدقت عليها من ينبوع حبك وصفاء عاطفتك؟
ابحث في داخلك عن الصورة التي تريد أن تذكرك بها، ومثل ذلك مع رفقاء العمل ومرؤوسيك وطلابك في الفصل حتى من يخدمونك في المنزل والعمل.. ابحث في داخلك عن الصورة الرائعة التي تود أن تكون عليها في نظر الجميع، سجل كل ما تتمنى أن يقوله عنك الآخرون الذين يشاطرونك الحياة ويشاركونك التمتع بها، قارن بين ذلك وبين الأحلام والأمنيات التي سجلتها لتجعل مصباح علاء الدين السحري يوفرها لك، هل تجد أن ثمة تقارباً بينها؟ أعتقد أنك في الأولى كنت تنظر لنفسك فقط، ما ستجنيه من مال وفير وقصور فارهة، وسلطة نافذة، وربما أنك لم تبحث هناك عن«الآخرين» إلا من حيث أنهم يكملون تمتعك بالدنيا.. كالأبناء والزوجة الجميلة والصديق الذي يحل مشاكلك.. ووو، ولكنك في المرة الثانية.. تركت كل ذلك وبحثت عن الجانب المعنوي في علاقاتك مع الآخرين، وكيف تصبح بالفعل خسارة كبرى لاتعوَّض، وأبا نموذجا أثيرا في تربيته لأبنائه، لا تكون سلطة القوة التي يملكها هي سلاحه في التربية، إذ إن هؤلاء الأطفال ربما يتحررون منها ذات يوم وينتفي تأثيرها.
لقد حضر اثنان جنازة أحد كبارعصره المرموقين في السياسة وممن إذا أمر أطيع، وإذا قال فعل، كان قصر العزاء فارها بدرجة تكشف واقع حياته المترف، سأل أحدهما الآخر «ماذا ترك فلان خلفه» وكان يبحث عن إجابة مادية.. قاصدا بذلك أملاكه ومناصبه، أجابه الآخر بعمق «لقد ترك كل شيء».. نعم رحل وترك كل هذه القصور والمناصب والخدم إلى حيث حفرة صغيرة، ولم يبق إلا ذكرى في نفوس من عاشرهم.
وأنت هنا- قارئي الكريم- ابحث عن أي الصورتين تود أن تكون؟
ويخالني تفكيري أنك ستفكر مليا في الصورة الثانية، إذن افعل ذلك، وليكن رفيقك في ذلك القلم، سجِّل كل ماتود أن يقوله عنك من تعاشرهم وتعيش بينهم، وابدأ بالتطبيق معهم، ولتستثمر أنك مازلت بينهم حياً يرزق قادراً على العطاء والحب والإخلاص.

 

 

[للاتصال بنا] [الإعلانات] [الاشتراكات] [الأرشيف] [خدمة الإنترنت] [الجزيرة]
توجه جميع المراسلات التحريرية والصحفية الى chief@al-jazirah.com عناية رئيس التحرير
توجه جميع المراسلات الفنية الى admin@al-jazirah.com عناية مدير وحدة الانترنت
Copyright, 1997 - 2002 Al-Jazirah Corporation. All rights reserved