|
بذلت المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني جهداً كبيراً للتنسيق والتنفيذ للحملة الوطنية لتوظيف السعوديين، رغم أن دورها الأساس ينحصر في تأهيل وتدريب طالبي العمل، ولا شك أن هذا الجهد عمل يستحق الثناء والتقدير بالإضافة لكل من ساهم فيه من الجهات الأخرى كمكاتب العمل وصندوق الموارد البشرية وأجهزة الإعلام، والسؤال الذي تبادر ولا شك في أذهان الكثير من المتابعين والمستفيدين من الحملة هو هل علاج مشكلة البطالة كان يحتاج لمثل هذه الحملة..؟ ثم والسؤال الذي ووجه به الباحثون في مكاتب التسجيل المنتشرة هنا وهناك هو وماذا بعد الحملة..؟ هل ثمة وظائف..؟ وحسب ما فهمت أن الأمر سينتهي في الأخير إلى تسجيل طلبات العمل في سجلات مكاتب العمل و(حينما) تحتاج مؤسسة ما بالإمكان أن تستفيد من المرحلة الأولى وهي حصر طالبي الوظائف والوظائف التي من الممكن أن يعملوا بها.
وموضوع يهم وطناً مثل البطالة أو نقيضتها السعودة لا شك أن الحلول لا بد أن تكون متناسبة مع حجم المشكلة، ولا أنسى تشبيه الدكتور غازي القصيبي لخطورة البطالة بأنها تشابه خطورة المخدرات والإرهاب..!! ومهم أن ننوه أن أكثر ما ناقش به الشباب وتحدثوا عنه في الملتقى الخامس للحوار الوطني هي قضية قلة الوظائف للشباب الخريجين، ومما يحسب للوزير الدكتور غازي القصيبي هو أن جعل موضوع السعودة ومكافحة البطالة من أهم أولويات وزارته وشرع منذ توليه المنصب بسن العديد من القرارات التي تهيئ للشاب السعودي فرص عمل كريمة، ورغم الصعوبات والمواجهات التي خاضها د. القصيبي كما يذكر هو في ندوته الأخيرة مع رجال القطاع الخاص إلا أنه ماض في طريقه، رغم خوفي من أن يتسرب الإحباط واليأس إلى نفسه كما لمست ذلك وأنا أستمع إليه في المؤتمر التقني الثالث الذي استضافته الرياض مؤخرا، والذي أثارني فيه قول الدكتور القصيبي أن جميع الحلول التي يقدمها رجال الصحافة والإعلام ليست عملية ولا تقدم حلاً ناجعاً للمشكلة..! وكرر هذا الرأي في ندوته الأخيرة، والمشكلة كما لمستها من حديث معاليه أو من خلال متابعاتي لموضوع السعودة والبطالة هي في عدم تجاوب رجال الأعمال في دعم توظيف السعوديين وهو ما جعل القصيبي (يهدد) بأنه قد يجد نفسه مضطرا لاتخاذ المزيد من القرارات التي ترفع من كلفة اليد العاملة الأجنبية لتتساوى مع اليد السعودية في الأجور، ولا يخفى بحال من الأحوال أن القطاع الخاص لم ينشأ ويستثمر إلا لأجل الكسب وهو حق مشروع له، وقد يرى البعض أن فرض سعوديين عليه لا يحقق له هذا الهدف إما لارتفاع رواتب السعوديين أو لقلة ساعات العمل أو لضعف التأهيل، وكلها تؤدي في الأخير إلى تكبد رب العمل خسائر أو عدم تحقيقه لأرباح، ولعله من المفيد في موضوع توطين الوظائف هو تأسيس صندوق الموارد البشرية والذي أعتقد وأجزم أنه حجر الزاوية الرئيس في عملية توطين الوظائف.. أو هكذا يجب أن يكون..! ولصندوق الموارد البشرية تجربة جميلة بسيطة في مخرجاتها لكنها كنموذج من الممكن الاستفادة منها في حل مشكلة البطالة أو جزء منها، ألا وهي تجربة التدريب الصيفي للطلاب، حيث كان مكتب العمل في السابق يقوم بتوجيه الشباب الراغبين في العمل في عطلة الصيف إلى مؤسسات راغبة بهم، وللمشاكل التي واجهت الفكرة سنوات طويلة استعيض عنها بأن يقدم القطاع الخاص مبالغ مالية وتسهم المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني في تدريب الشباب من خلال ورش عمل ومحاضرات وما سيحصل عليه الشاب من العمل خلال شهر سيحصل عليه من خلال البرنامج التدريبي، وهو فكرة متميزة تفيد الطالب مالياً وتفيده علمياً وعملياً، وأزعم أن صندوق الموارد البشرية بالتعاون الوثيق والمباشر مع مكتب العمل قادران على حل جزء كبير من مشكلة البطالة، فالذي يجري حالياً في دعم صندوق الموارد البشرية هو أن يقوم بدفع 75% من مكافأة المتدرب أثناء التدريب الذي يتراوح من 3-12 شهرا على أن تقدم له المؤسسة العامة للتعليم الفني والتدريب المهني الجانب النظري وجهة العمل الجانب العملي، ولكن هذا الأمر لم يحل المشكلة لأن صاحب العمل سيتحمل رواتبه بعد انتهاء فترة التدريب والتي قد تكون مرتفعة بعض الشيء..! وهنا أقدم رؤية أو اقتراحاً قد يساهم في حل المشكلة جزئياً، وهي أن يعمل الشباب في بيئات العمل دون أن يتحمل القطاع الخاص مسؤوليتهم بصورة مباشرة رغم أنه سيتحمل رواتبهم بطريقة مسبقة ودون أن يشعر بها، وذلك بأن يتم زيادة الرسوم التي تحصل عند استقدام كل عامل أجنبي 100% والتي تذهب لصندوق الموارد البشرية، ومن خلال هذه المبالغ التي أجزم قياساً بحجم الاستقدام المرتفع لدينا أنها ستحل مشاكل عمل الشباب لسنوات، واقتراحي يتمثل في أن يقوم صندوق الموارد البشرية بتقديم 50% من الراتب الذي يتم الاتفاق عليه بين صاحب العمل والشاب طالب العمل ولنفترض أن الراتب سيكون 1500 ريال يقوم الصندوق بتقديم 750 ريالاً شهريا للشاب ولمدة خمس سنوات تزيد بنسبة معينة كل سنة على أن يقدم صاحب العمل الـ50% المتبقية، والمهم في هذا الأمر أن الشاب سيكتسب خبرة وربما تساعده هذه الخبرة في الانتقال لمؤسسات أخرى برواتب أعلى أو أن يشعر رب العمل أنه بحاجة إليه فلا يفرط فيه، كذلك فإن هذا الأمر سيساعد مؤسسات القطاع الخاص المتوسطة والصغيرة على استقطاب الشباب إذا قدرنا أن ما يدفعونه من رسوم استقدام سيكون أقل من الشركات الكبرى، كما أن صاحب العمل لن يهتم بمبلغ يدفعه كل سنة لقاء استقدام عامل أو تجديد إقامته، وهنا سيكون جزء كبير من المشكلة قد تم حله، بل إن الواقع المعاش أن هناك من الجامعيين وأصحاب المؤهلات المتخصصة من يقبل بتقاضي راتب يقل عن ألف ريال وهو ما سيساعد رب العمل ويجعله يطمئن أنه لن يتكبد عناء راتب الموظف، وربما يرزق الشاب بعد سنوات لا تصل إلى خمس بوظيفة عمل أفضل، فلو افترضنا أن مؤسسة ما وظفت 20 موظفاً في وقت واحد فربما سيتحصل 50 أو80% منهم على وظائف حكومية أو خدمية نتيجة تقاعد الجيل الذي سبقهم.
قد يقال إن مثل هذا الاقتراح لن يجعل القطاع الخاص يقوم بدوره الوطني، وهذا صحيح لكن المهم قبل ذلك هو حل مشكلة البطالة، ثم ان دولاً عدة تصرف مكافآت وإعانات للعاطلين عن العمل، ونحن هنا سنربط الإعانة بالعمل مع المتابعة والتقييم، نعم.. سيكون الجزء الأكبر من الحل على كاهل الدولة، لكن يجب ألا ننسى أن موارد الصندوق هي من القطاع الخاص نفسه وبالتالي أن ما سيحدث هو أننا حللنا مشكلة البطالة بأموال القطاع الخاص بصورة غير مباشرة لكنها تفي بالغرض أو جزء منه، على الأقل حتى يستطيع الشاب السعودي أن ينافس ويثبت جدارته بالعمل، ثمة محاذير لا يخلو منها أي عمل بشري أجزم أن فرق الوزارة المؤهلة والمتخصصة قادرة على إيجاد مخارج وحلول لها.
ختاماً أتمنى أن يكون في هذا الاقتراح ما يضيف ويفيد في حل مشكلة البطالة، وألا يكون ضمن هامش الكتابات التي عدها د.القصيبي لاتقدم حلاً أو وجهة جديدة.
(*)الكلية التقنية في بريدة
|